مقالات

فضاءات المقاهي والمدن!!

01/05/2023, 16:41:39

عندما نتحدَّث عن الصداقة والثقافة والكتاب والمعرفة فنحن نتحدَّث عن اللمة الإنسانية في أبرز محطاتها، حيث الحرية للقول والتعبير بدون قيود مؤسسية كالمدارس والجامعات والمعاهد  التي تكون هي ساحات التهويمات الأولى، والمحاولات البكر لتعلم النقاش والحوار وتبادل الأفكار، وهي اللبنات  المبكرة للحصول على الزاد المعرفي، وهي البوصلة التي تحدد شخصيتك ومن أنت في المستقبل القريب والبعيد، وأصدقاء الجامعات هم بالأساس أبرز عوامل الثراء الفكري، وربما يكونوا قبل الكتب التي ستقرأها  طوال حياتك، وقبل المنهج الذي تدرسه والأساتذة الذين علموك.

الشخص الذي يرتاد المقاهي غير الشخص الذي لا علاقة له بالمقهى، وأقصد بالمقهى الوعي المبكر والوعي السياسي والفكري، في المقهى تلتقي بأناس أفنوا حياتهم بالقراءة والعمل والكد، وتجدهم ملأى بالخبرات الحياتية واليومية التي تضيف إلى كل من يختلط بهم؛ تجارب وحيوات عديدة وثقة عالية بالنفس وانفتاح عقلي كبير؛ وهو يتقبل كل الآراء بمختلف التوجهات، المقهى هو المدلول الرمزي الكبير للانفتاح على الحياة والناس والمجتمع.

الجلوس في المقهى هو فن بحد ذاته، واختيار من تشرب معهم الشاي هو أبو الفنون، ولذلك عندما يُعبِّر أحدهم عن رغبته بكأس شاي عدني ملبن فهو يُعبِّر عن شخصيته التي تميل إلى الحياة والنبل الإنساني في أسمى معانيه، مازلت أتذكر ذلك الكوب الفارغ من الشاي الذي كنتُ أتركه فوق الطاولة على الساعة الحادية عشرة والنصف ظهراً وأنا متوجِّه إلى الاختبارات الجامعية وكلي ثقة بذاتي، أذكر تلك اللحظة بشغف كبير كبير.

ولاشك أنَّ أيِّ مثقف أو كاتب أو قارئ له قصته مع المقهى، وله مقهاه المُفَضَّل، أو له مقاهيه المفضلة طوال مامضى من حياته المفعمة بلقاء الناس، وتلمس وجوه الحياة المتناقضة.

في طفولتي العدنية وبحكم سكني المجاور لمقهى سيلان، الواقع بشارع حسن علي، القريب من حافة اليهود، كنت أتسمَّر أمام المقهى متطلعاً لوجوه الناس، وهم يتناولن الشاي ويتبادلون المودة والمعرفة والكرم باشتهاء كبير، وكنت أشاهد شخصيات مشهورة ترتاد المقهى، على سبيل الذكر لاعب نادي الواي عوضين وبعض زملائه وغيره كثير، فترتسم في أعماقي محبة كبيرة لهذي الأماكن التي لا يمكن أن نلتقي بأجمل وأنبل الناس إلاَّ فيها.

مازلت أتذكر كل مقاهي المدن التي عشتُ فيها بأسمائها وشُخُوصها ومُرتاديها، ولعلي لا أبالغ إذا قلتُ إنَّ تأثير المقهى على وعي المثقف والإنسان العادي، لايقلُّ أبداً عن تأثير الجامعة أو المدرسة أو الكتب أو السينما أو التلفزيون وما شابه ذلك، وبمعنى من المعاني المقهى هي أم كل ذلك، سواء جلست مع نفسك لتسمع ما يدور أو جلست مع صديق حميم تتبادل معه المودة والحب والمعرفة والفكر.

وبالتأكيد ليس هناك مثقف أو إنسان عادي أو غير عادي غادر بلاده (مُكرَهاً) أو غير مكره في زمن الحرب أو السلام إلاَّ ويشتاق للجلوس في المقاهي التي عرفها وخاصة أيام الجامعة ومراحل الشباب واليفاعة، يشتاق إلى كوب من الشاي الذي يعجبه طريقة اعداده وتقديمه، والحقيقة أنه يشتاق لبلده ووطنه وناسه وأهله وأصحابه.

ولو كتب كل واحد منّا قصته مع المقاهي لحصلنا مجازاً على وطن يُسمَّى المقهى، ولحصلنا على قصص تستحق أن تُروى وتؤخذُ منها العِبر وولسالت العبرات من كل ذلك الشجن والشغف الذي سنقرأه.

المقهى لوحة انسانية جميلة لا تنتهي بناسها وتجاربهم، لذلك لانجدُ كاتباً على مستوى العالم، بمدنه وأريافه إلاّ وكانت له المقهى ملهمة أو شبه ملهمة، بل وهناك الكثير من الروائيين وكُتَّاب القصة وغيرهم من مفكرين وفلاسفة ورواد الصحافة استلهموا أعمالهم العظيمة وأفكارهم الكبيرة من المقهى وناس المقهى بكل بساطتهم واختلافهم.

ومنذ قامت الحرب في اليمن، وتوقفت الصحف عن الصدور، ومُنِعتْ الكتب من مختلف أنحاء العالم من الوصول إلى اليمن، لجأ القارئ اليمني والمثقف والتاجر والعامل والموظف والعسكري المتقاعد إلى المقهى ليُبدِّد وحشته ويروي غليله من معين ثقافة المقهى، من كل الأطياف، هناك فقط نحسُ بالحياة وأننا مازلنا نعيش على هذه الأرض، بعيداً من ويلات الحرب وانقطاع المرتبات والموت المجاني الذي يحصدُ اليمنيين بشكل عجيب، وعلى ذكر الموت والحرب، كم من الأحباء غادرونا وهم يحلمون بالعودة إلى حياتهم الطبيعية، وأعمالهم وسكينتهم وصلاتهم المطمئنة لكن بلا جدوى، وها نحن ننتظر دورنا بصبر وثبات ومكابدة أهوال الحياة اليومية كيمنيين مُقدَّرٌ لنا أنها حربٌ عبثية بكل ما في الكلمة من معنى، وأن العدوان الداخلي أبشع وأكثر مرارات من العدوان الخارجي بلا شك؛ ولا بوادر أمل لتوقفها وحلول السلام في القريب المنظور، ولذلك يُوطِّنُ الكثيرون من اليمنيين، سواء داخل الوطن أو خارجه، أنفسهم على الصبر ومجالدة متاعب الحياة ومصارعة أهوالها، وقد ألقت الحرب بظلالها وضلالها على الطفل والشيخ والصبي والنساء والرجال، وحتى على الحيوان والجماد، حتى إن الأرض غير الأرض، والإنسان غير الإنسان....!!

فها هي السماء تُمطر ليلاً ونهاراً وقد أنبتت من كل زوج بهيج، وتحولَّت اليمن إلى جَنّة على الأرض، ولكنها الجنة التي يتحكم بها لصوص المناجم، وتجار الفحم والحروب.

مقالات

حكاية البنت العمياء سعيدة (2-2)

في العصر الذّهبي للحَمير، كان الحمَّارة نجوم القُرى ونجوم الغناء، وكانوا عند مرورهم بالقُرى، أو عند اقترابهم من الينابيع والآبار، حيث تتجمع النساء والصبايا، يغنون ليلفتوا انتباههن

مقالات

كلمة عن الصداقة والصديق

" الصديق هو أنت؛ لكنه بالشخص غيرك" أعتقد أن أرسطو نجح في قول عبارة مكثّفة تُلخِّص جوهر هذا المفهوم. الصداقة والصديق. كما أنّه ليس أمرًا هامشيًا أن تُشتّق الصداقة من " الصدق" ذلك أن أول شروط الصداقة، هو أن تكون مع الأخر كما أنت مع نفسك. وإن كان الأمر مستحيلًا، أن تكون معه كما أنت مع نفسك تمامًا؛ فيكفي ألا تخشى شيئًا وأنت مع هذا الأخر الذي ترقى علاقتك به ليكون صديقًا.

مقالات

حكاية البنت العمياء "سعيدِة" (1-2)

كان من سُوء حظ البنت سعيدة أنها وُلدت عمياء؛ كانت العمياء الوحيدة في القرية، لكنها وهي طفلة لم تكن تكترث بعماها، فقد كانت لديها مواهب تعوّضها عن فقدان بصرها، وكانت ذكية وتتمتع بذاكرة قوية، وكانت بقية حواسها حادة وشديدة الحساسية؛ تسمع أصواتا لا يسمعها غيرها من الأطفال، وتشم روائح لا يشمونها، وتحفظ أغانيَ وحكاياتٍ لا يحفظونها، وكان لها صوتٌ حُلوٌ وعذب يُلفِتُ الانتباه إليها.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.