مقالات
حين يصبح الحياد تثبيتاً للانقلاب
في اللحظة التي تشهد فيها اليمن تصعيداً عسكرياً واسعاً، وتتقدم القوات المسلحة والقوات المناهضة للحوثيين في بعض الجبهات، لا يمكن التعامل مع المشهد بمنطق المساواة بين طرفين متكافئين.
هناك دولة سقطت مؤسساتها بانقلاب مسلح، ومليشيا استولت بالقوة على العاصمة ومؤسسات الدولة وسلاحها، وما زالت تحتفظ بجزء كبير من ذلك الواقع الذي أنشأته بالقوة.
ولهذا فإن الوقوف إلى جانب الشرعية واستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي ليس خروجاً عن الحياد، بل هو موقف منسجم مع المرجعية الدولية التي أقرت بها قرارات مجلس الأمن.
فالقراران 2201 و2216 لم يقولا إن اليمن أمام نزاع متساوٍ بين طرفين، وإنما طالبا الحوثيين بالانسحاب من مؤسسات الدولة والمناطق التي استولوا عليها، وتسليم الأسلحة التي استولوا عليها من مؤسسات الدولة، وإنهاء الإجراءات التي تقوض سلطة الحكومة.
ومن هنا تصبح اللغة الأممية شديدة الحساسية عندما تختزل المشهد في عبارة «على جميع الأطراف ضبط النفس».
نعم، يجب حماية المدنيين ووقف الانتهاكات، ويجب أن تظل قواعد القانون الدولي الإنساني حاضرة في كل العمليات العسكرية.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين مطالبة الدولة بضبط عملياتها العسكرية وبين مطالبتها بالتوقف عن استعادة الدولة، ثم وضعها والميليشيا التي أسقطت مؤسسات الدولة في كفة واحدة.
فالشرعية لا تخوض حرباً من أجل توسيع نفوذها على حساب دولة قائمة؛ إنها، من حيث المبدأ، تقاتل لاستعادة الدولة التي انتزع الحوثيون مؤسساتها بالقوة.
وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة.
إذا كان الحوثيون هم من يفتحون جبهات جديدة، ويهاجمون المدن والمناطق الخاضعة لسلطة الدولة، ثم عندما تبدأ القوات الحكومية في الرد واستعادة الأرض تتعالى الدعوات إلى «وقف التصعيد»، فإن السؤال المشروع هو:
هل المطلوب وقف الحرب فعلاً، أم وقف استعادة الدولة؟
لأن وقف القتال في منتصف الطريق، مع بقاء الانقلاب ومؤسسات الدولة المختطفة والسلاح الذي استولت عليه المليشيا، لا ينهي الحرب؛ بل قد يمنح الانقلاب فرصة جديدة لإعادة إنتاج نفسه سياسياً.
السلام الذي لا ينهي الانقلاب ليس سلاماً مستداماً، والهدنة التي تجمد نتائج القوة ليست تسوية عادلة.
ولهذا فإن المطلوب من الأمم المتحدة ليس أن تصمت عن انتهاكات أي طرف، وإنما أن تكون أكثر وضوحاً في تحديد أصل المشكلة:
الحوثيون هم من أسقطوا مؤسسات الدولة بالقوة، وقرارات مجلس الأمن طالبتهم بالتراجع عن ذلك.
وعليه، فإن أي مسار سياسي جاد يجب أن يقود إلى استعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء سيطرة المليشيا المسلحة عليها، ووضع السلاح خارج إطار الدولة، وليس إلى تحويل الانقلاب إلى أمر واقع دائم ثم مطالبة الجميع بالتكيف معه.
اليمنيون لا يحتاجون إلى حياد أممي بين الدولة والانقلاب.
إنهم يحتاجون إلى سلام يعيد الدولة، ويُنهي الانقلاب، ويؤسس لدولة المواطنة والقانون والمساواة.
وفي هذه اللحظة تحديداً، فإن دعم استعادة الدولة ليس دعوة إلى الحرب من أجل الحرب، بل دفاع عن حق اليمنيين في أن تكون لهم دولة واحدة، ومؤسسة عسكرية واحدة، وسلاح واحد، وسلطة تستمد مشروعيتها من القانون لا من القوة.
المطلوب ليس إيقاف الدولة عن استعادة نفسها؛ المطلوب إنهاء الانقلاب الذي منعها من أن تكون دولة.