مقالات

حين يتحول النفوذ إلى نكتة ثقيلة: السخرية الكامنة في الخطاب الإماراتي تجاه اليمن والمنطقة

30/03/2026, 12:08:27

بعض الخطابات السياسية يسقط لا لأن خصومه أقوى منه، بل لأنه يفرط في الثقة بنفسه إلى حد يفقد معه توازنه. 

 

وهذا، تقريبًا، هو الانطباع الذي يخرج به أي مستمع من لقاء عبد الخالق عبد الله مع الدكتورة رباب المهدي. فالرجل لم يدخل الحوار بوصفه محللًا يحاول تفسير الإقليم، بل كأنه جاء لعرض نسخة مطوّلة من نشرة علاقات عامة، تتنقل من بلد إلى آخر، وتوزع على المنطقة شهادات نجاح وفشل، وتلمّح، بلا كثير عناء، إلى أن أبو ظبي لم تعد مجرد عاصمة لدولة، بل ما يشبه المركز الطبيعي لتدبير الشرق الأوسط، أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وربما عاطفيًا أيضًا.

 

المشكلة هنا ليست في جرأة الادعاء. الجرأة، في السياسة، ليست عيبًا. المشكلة أن الادعاء كان أكبر من حجته بكثير. فالرجل لا يبني فكرة، بل يقفز فوقها. لا يصوغ تحليلًا، بل يمرّ عليه مرورًا سريعًا ثم يرفع صوته كأن رفع النبرة يعوّض ضعف المعنى. ينتقل من اليمن إلى السودان، ومن السعودية إلى إسرائيل، ومن التاريخ إلى الجغرافيا، وكأن المنطقة كلها يمكن ضغطها في خطاب واحد، شرط أن يكون المتحدث واثقًا بنفسه بما يكفي.

 

وهنا تبدأ السخرية من تلقاء نفسها: حين يصبح الاستعراض بديلًا من الفكرة، والتضخم اللفظي بديلًا من الحجة.

 

في المقابل، أدارت رباب المهدي الحوار بذكاء واضح، وكانت كلما انجرف الكلام إلى منطقة الضباب، أعادته إلى السؤال البسيط القاسي: ما الذي تقوله بالضبط؟ وما الذي يعنيه على الأرض؟ وهذا ما جعل الفارق فاضحًا بين من يحاول تفكيك الوقائع، ومن يحاول الهروب منها عبر مزيد من الكلام. كانت تسأل من موقع أكاديمي يعرف أن السياسة ليست خطابة، فيما كان هو يجيب من موقع دفاعي مرتبك، كأن عليه أن ينقذ سردية كاملة من مجرد سؤال منظم.

 

جوهر المشكلة في هذا الخطاب أنه يخلط بين النفوذ والقيادة، خلطًا يكاد يكون طفوليًا. نعم، يمكن لدولة ثرية أن تبني نفوذًا واسعًا، وأن تنسج تحالفات، وأن تموّل، وأن تضغط، وأن تدخل من ثغرات الإقليم المتهالكة. لكن هذا شيء، والقيادة شيء آخر. القيادة ليست حسابًا مصرفيًا كبيرًا، ولا طائرة خاصة تهبط في أكثر من عاصمة، ولا قدرة على تمويل شبكات النفوذ. القيادة، إن كان للكلمة معنى، هي القدرة على إنتاج توازن مستقر، لا على الاستثمار في هشاشة الآخرين. أما أن يُقدَّم المال على أنه فلسفة، والنفوذ على أنه حكمة، فهذه ليست قيادة، بل نشوة حجم.

 

وفي اليمن، يصل هذا الخطاب إلى لحظته الأكثر افتضاحًا. فعبد الخالق عبد الله يقول، من جهة، إن بلاده تدعم الدولة اليمنية الموحدة «وفق السياسة الدولية»، ثم ينتقل، من جهة أخرى، إلى الحديث عن التعامل «الواقعي» مع مطالب الانفصال في الجنوب بوصفها حقًا سياسيًا. أي إن الإمارات، بحسب هذا المنطق المريح، تدعم الوحدة في البيانات، وتدعم تفكيكها في الميدان، ولا ترى في ذلك مشكلة تستحق حتى الحرج. 

 

هذه ليست براغماتية؛ هذه ببساطة لغة مزدوجة تحاول أن تأخذ من الشرعية الدولية عنوانها، ومن الوقائع الانفصالية فائدتها.

 

ثم يأتي الجزء الأشد طرافة: محاولة تأصيل كل ذلك تاريخيًا عبر «الجنوب العربي»، كأن التاريخ مجرد مخزن قطع غيار تُسحب منه الرواية المناسبة عند الحاجة. 

 

لا أحد ينكر تعقيد المسألة الجنوبية في اليمن، ولا تاريخ الجنوب السياسي المختلف، لكن تحويل هذا التعقيد كله إلى بطاقة تعريف جاهزة لمشروع سياسي مدعوم من الخارج ليس تحليلًا، بل انتقائية فجة، أقرب إلى إعادة طلاء الماضي بما يناسب الوظيفة الحالية. التاريخ هنا لا يُقرأ؛ بل يُستدعى مثل شاهد زور.

 

أما ذروة السخرية الفعلية فتأتي حين يختزل الرجل الأزمة السعودية-الإماراتية في اليمن في عبارة: «الرجل الغاضب في الرياض». هكذا، وبكل هذه الخفة، يتحول خلاف بين دولتين كبيرتين، لكل منهما حساباته ومصالحه وصراعات أدواره، إلى مزاج شخصي لرجل غاضب. لا مصالح متعارضة، لا تقديرات أمنية مختلفة، لا رؤى متباينة حول اليمن والمنطقة؛ فقط «رجل غاضب» و«أخ أكبر» وشيء من الغيرة من نجاح الإمارات الصاعدة. هذا ليس تحليلًا سياسيًا، بل مسلسل نفسي رديء كُتب على عجل. والواقع أن العبارة لا تكشف شيئًا عن السعودية بقدر ما تكشف عن صاحبها: عن هذا الإصرار العجيب على تفسير السياسة بلغة المشاعر حين يعجز الخطاب عن تفسيرها بلغة المصالح.

 

وفي السودان، يتكرر المشهد نفسه. كل تعقيد الحرب، كل تشابك الداخل بالإقليم، كل المأساة السودانية الثقيلة، يُعاد فرزه ببرود انتقائي حتى تستقر القصة في المكان الذي يناسب السردية المطلوبة. لا أزمة دولة، ولا انهيار مؤسسات، ولا صراع بنيوي على السلطة والعنف؛ فقط توزيع جديد للمسؤوليات على نحو يلائم الموقف السياسي. كأن المطلوب من التحليل ألا يشرح الحرب، بل أن يقدّمها في صيغة أقل إزعاجًا للحلفاء.

 

وحين يصل الكلام إلى إسرائيل، يكتمل المشهد على طريقته الخاصة. فالتطبيع، في هذا الخطاب، ليس فقط خيارًا سياسيًا، بل خدمة للقضية الفلسطينية أيضًا. ثم، بلا كثير تحفظ، يُعترف بأن هذا المسار نفسه مفيد للإمارات لأنه يفتح لها أبواب جماعات الضغط المؤثرة في واشنطن، ويمنحها مكاسب سياسية وأمنية وتكنولوجية واقتصادية. وهنا لا تعود المشكلة في التطبيع نفسه، فهذا موضوع آخر، بل في هذه الخفة المدهشة التي يُجمع بها بين شيئين متناقضين في جملة واحدة: خدمة فلسطين، وخدمة المصالح عبر بوابة اللوبيات. هكذا، بلمسة خطابية سريعة، تصبح القضية الفلسطينية مظلة أخلاقية، واللوبي الصهيوني أداة نفعية، ويُطلب من المستمع أن يصفق للبراعة. لكنها ليست براعة؛ إنها فجاجة مدهشة في الجمع بين المبدأ والتسويق.

 

وفي أفريقيا أيضًا، لا يبدو الخطاب أفضل حالًا. فبدل الحديث عن شراكات متكافئة أو أدوار مسؤولة، يطفو المنطق نفسه: مناطق هشة، فراغات سياسية، فرص نفوذ، ثم لغة ناعمة تحاول أن تمنح كل ذلك هيئة محترمة. المشكلة أن هذا النوع من الكلام صار مألوفًا أكثر من اللازم، حتى فقد القدرة على الإقناع. فكلما تحدث عن «الاستقرار» بدت خلف الكلمة.

مقالات

اللحظة التي قد يدخل فيها الحوثي الحرب

تشهد المنطقة الممتدة من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر (باب المندب) تحولا إستراتيجيا عميقا، حيث لم تعد هذه الممرات مجرد طرق لنقل الطاقة، بل أصبحت أدوات ضغط جيوسياسي في صراع متعدد المستويات

مقالات

حرب تأسيسية

أعتقد أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران تمثل نوعا من الحروب التأسيسية التي ستحدد نمط الصراعات المستقبلية، بفضل التقنيات والأسلحة المتطورة التي استخدمت فيها بشكل غير مسبوق. هذا التفوق التكنولوجي جعل نتنياهو يصرح بأن إسرائيل أصبحت بالشراكة مع أمريكا قوة عظمى أو شبه عظمى عالميا في بعض المجالات، بعد أن كانت مجرد قوة إقليمية.

مقالات

الحوثيون في حرب إيران: ترقب اللحظة أم حسابات تجنب المواجهة؟

لم تكن الحرب العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، في 28 فبراير/شباط 2026، مجرد حلقة جديدة في مسار التوترات التي تشهدها المنطقة منذ سنوات؛ فقد تحولت تلك الضربة سريعا إلى حدث مفصلي مع الإعلان عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وهو تطور أربك موازين المحور الذي بنته طهران عبر عقود.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.