رأي
حول عقيدة الحوثي تجاه الآخر

لم تكن عقيدة الرفض الهادوية -المتمثلة في رفض الترضّي عمّن رضي الله عنهم من المهاجرين والأنصار- معروفةً في عصر الصحابة ولا في عصر التابعين، مع التسليم بظهور الخلافات والنزاعات البشريّة الطبيعيّة. ولم يتحوّل هذا الأمر إلى معتقدٍ إلا في القرن الثاني الهجريّ، خارج دائرة البيت العلويّ، مع ظهور دعوى «النصّ الإلهيّ الجليّ» على إمامة عليّ؛ إذ ترتّب على هذا القول تضليلُ من خالفوه والطعنُ في شرعيّة اختيارهم للأئمّة والخلفاء.
ثمّ تسلّل هذا الموقف إلى داخل البيت العلويّ الزيديّ متأثّرًا بالتنظير الجاروديّ في أواخر القرن الثاني الهجريّ، وتجسّد بوضوحٍ في عهد القاسم بن إبراهيم؛ إذ تدرّج الموقف من "التوقّف" (رفض الترضّي واللعن معًـا) إلى ظهور مقولاتٍ ترجّح أنّ اللعن أولى من الترضّي، وصولًا إلى اللعن الصريح والتفسيق لدى التيّارات الهادويّة الأكثر تشدّدًا.
وتكمن خطورة دعوى "الحقّ الإلهيّ في الحكم" في أنّها تستلزم حتمًا موقفًا سلبيًّا من الصحابة، سواء أُعلن البعض هذا الموقف صراحةً أو اخفاه تقية بألفاظ مبهمة - استثناء الصحابة الأخيار المنتجبين- فالموقف من الصحابة ومفهوم النصّ على الإمامة متلازمان في منطق هذا الفكر. وإذا كانت دعوى النصّ قد أفضت في التصوّر الاثني عشريّ إلى تضليل وتكفير الصحابة مع الاكتفاء بالانتظار والتقيّة، فإنّ الجاروديّة الهادويّة أضافت إلى ذلك لازمًا سياسيًّا بالغ الخطورة: وهو وجوب الخروج بالسيف ومقاتلة المسلمين لإلزامهم بهذا الحقّ المدّعى.
وهنا تتجلّى خطورة المعتقد الهادويّ الجاروديّ؛ إذ لا يقف عند نزع شرعيّة العقد الاجتماعي الذي ينظم قواعد التعايش والسلطة على المجال العام، ولكنه يشرعن استخدام القوة لأسقاط هذا العقد والسيطرة على المجال العام مع استباحة دماء وأموال المسلمين المعارضين. ولهذا فإنّ الموقف الجاروديّ في تجلياته ومآلاته أسوأ من الموقف الاثني عشريّ؛ لأنّ الاثني عشريّة التقليديّة حصرت أثر موقفها في الجانب العقديّ والانكفاء السياسيّ معترفةً بسلطة الأمر الواقع، حتى جاءت نظريّة "ولاية الفقيه"، مستعيرةً نزعة الثورة وفرض الحكم بالقوّة من الموروثين الهادويّ الجاروديّ والإسماعيليّ. مع وجود فوراق مهمة ساعدت الاثنا عشرية على تقبل الديمقراطية وآلياتها وهو ما تفتقر إليه العقيدة الهادوية فهي لا تستطيع أن تكون جزءًا من كل، ولا تستطيع التعبير عن نفسها إلا بالحرب المستمرة من اجل السيطرة، وهذا ما جعلها عبئًا كبيرًا على المجتمعات التي ابتليت بها فسارعت إلى التخلص منها كالمجتمعين الإيراني والعراقي.
ويظن البعض ولا سيما غير اليمنيين، أن تضليل الحوثيين للمهاجرين والأنصار، ورفضهم الترضي عمن رضي الله عنهم، وقصر فضل الصحبة على "المنتجبين الأخيار"، مجرد انحراف عقدي وتعدٍّ على حقوق الله. ولو اقتصر الأمر على ذلك، لأمكن عدّه انحرافًا فكريًا يُردّ عليه بالحجة والموعظة الحسنة.
لكن إشكالية هذا المعتقد أنه لا يقف عند حدود الموقف من الصحابة، وإنما يتأسس على دعوى الحق الإلهي في الحكم. فجوهر الخصومة السلالية مع الصحابة يتصل بأنهم أقرّوا، من خلال ممارستهم السياسية، أن السلطة شأن بشري، يختار الناس من يتولاها، وفق آليات قابلة للنقاش والتطوير. وبذلك أسقط الجيل الذي عاصر رسالة الوحي خرافة احتكار الحكم بالنسب والحق الإلهي، وأثبت أن شرعية السلطة تستمد من اختيار الناس، لا من امتياز سلالي مزعوم.
ولو توقف الأمر عند حدود الموقف العقدي من الصحابة، كما هو الحال في بعض جوانب الموقف الاثني عشري، لبقي في سياق الخلاف والضلال الفكري الذي ينبغي تفنيده بالحجة والموعظة الحسنة. لكن الحوثية الهادوية تجاوزت ذلك إلى اعتقاد فرضية الخروج بالسيف، وشرعنة الاستيلاء على الحكم بالقوة، وما يترتب على ذلك من سفك دماء المسلمين وأموالهم، لمجرد إيمانهم بأن السلطة شورى بين المسلمين، ورفضهم احتكارها بالنسب، مع اتهام جمهور الصحابة والمسلمين الرافضين لهذا الاحتكار بكفر التأويل والنفاق.
وهنا تكمن خطورة هذه العقيدة الفاشية الدموية؛ فهي لا تكتفي بمخالفة جمهور المسلمين في موقف تاريخي أو اعتقاد ديني، وإنما تجعل من ذلك أساسًا لمشروع سياسي سلالي، ذي نزعة استعلائية وإقصائية، لا يرى في المجتمع مواطنين متساوين، بل رعايا مطالبين بالخضوع لسلطة تدّعي لنفسها حقًا إلهيًا في الحكم. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن عقيدة الخروج بالسيف والقتال من أجل إقامة السلطة الدينية انتقلت من الموروث الزيدي إلى الاثني عشرية، وليس العكس كما يظن البعض، مع فارق جوهري؛ فالقتال في التصور الزيدي مرتبط بادعاء الحق السلالي في الإمامة، بينما ارتبط في التجربة الاثني عشرية المعاصرة بولاية الفقيه، الذي يصل إلى موقع الولاية عبر آليات اختيارية، لا بالوراثة والنسب.
وقد لفظت جميع الشعوب الإسلامية عقيدة الخروج بالسيف لفرض الحق الالهي المزعوم، فقد تخلصت إيران في الديلم وطبرستان من وباء هذه العقيدة الفاشية، كما تخلص العراق من هذه الجائحة قبل ذلك، واستبدلها بالاثنا عشرية المسالمة، لأن هذه النظرية الدموية لا تتعايش مع أي مكونات أخرى، فهي لا تقبل أن تكون جزءًا من كل، ولا تؤسس لأي استقرار سياسي حتى داخل منظومتها فكل من راي نفسه فاضلًا في السلالة يتوجب عليه الخروج بالسيف لقتل المفضول أو إرغامه على التنازل له، ولا معيار يضبط الفاضل من المفضول إلا معيار القدرة على القتل، وهذه العقيدة هي في جوهرها عقيدة حكم وسيطرة لا تقبل إلا بالسيطرة على المجال العام ولا يمكن لأي مجتمع محترم أن يقبل الخضوع الذليل لهذ الاستعلاء العنصري الذي يصادر حقوق المجتمع وحرياته العقدية .
وهذا ما نشهده اليوم في تعز، وفي كثير من المناطق اليمنية التي تدافع عن كرامتها وحريتها ومعتقداتها، وترفض أن تتحول إلى رعايا في مشروع سلالي يزعم لنفسه حقًا إلهيًا في السيادة على البشر.
نقلا عن صفحة الكاتب في الفيسبوك


