مقالات

بين نقد التجربة وإغتيال الرجل

31/05/2026, 20:22:18

ما إن يرحل رجل من رجال السياسة حتى تخرج الأقلام من مخابئها لتكتب تاريخاً جديداً، لا كما جرى، بل كما تشتهي الخصومات أن ترويه. فيتحول الإنسان الذي كان بالأمس جزءاً من مأساة وطنية عامة إلى المتهم الوحيد، وتتحول أخطاء مرحلة كاملة إلى خطيئة شخص واحد.
ليس المقصود هنا تبرئة الرئيس عبدربه منصور هادي من الأخطاء، فالرجل أخطأ كما أخطأ غيره، وربما أكثر في بعض المحطات وأقل في أخرى. لكن الإنصاف يقتضي أن نسأل: هل كانت مأساة اليمن من صنع رجل واحد؟ وهل كانت الأحزاب والقوى السياسية والقيادات العسكرية والنخب التي ملأت الفضاء صخباً وخطابة بريئة مما جرى؟
لقد سقطت الدولة بتراكم طويل من الأخطاء والمؤامرات والصراعات والمصالح المتناقضة، وشارك في ذلك الجميع بدرجات متفاوتة. أما تحويل هادي إلى أصل البلاء ومنبعه الوحيد فليس قراءة للتاريخ، بل محاولة للهروب من مسؤولية جماعية لا يزال كثيرون يخشون الاعتراف بها.
لقد انتقدت هادي شخصياً، وبشكل حاد، على أخطاء كارثية ارتكبها وأدّت في نهاية المطاف إلى إقصائه من المشهد. لكن ذلك النقد يومها كان من أجل مصلحة الشرعية والدولة والبلد، وكان تحذيراً من مسار خاطئ رأينا نتائجه لاحقاً بأعيننا، لا تصفية حسابات مع الرجل ولا سعياً للنيل منه. وحالنا اليوم خير شاهد على أن كثيراً مما قيل آنذاك كان نابعاً من الحرص على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا من الرغبة في التشفي أو الإدانة المجانية كما يفعل البعض اليوم.
واللافت أن بعض من يهاجمون الرجل الآن لا يكتفون بنقد قراراته أو سياساته، بل يفتشون في طباعه وأصوله وأسرته، وكأن المطلوب ليس تقييم تجربة سياسية، بل اغتيال الرجل معنوياً بعد رحيله. وهنا يفقد النقد قيمته ويتحول إلى خصومة شخصية لا علاقة لها بالتاريخ ولا بالحقيقة.
لقد كان هادي ابن بيئته وزمنه، مثل غيره من قادة اليمن، له ما له وعليه ما عليه. وإذا كان من حق الناس أن يختلفوا حول تجربته، فليس من حق أحد أن يختزل تاريخ بلد كامل في شخص واحد، أو أن يجعل من موته مناسبة لتصفية الحسابات المؤجلة.
رحل الرجل، وبقي اليمن شاهداً على أن ما جرى كان أكبر من فرد، وأعمق من رئيس، وأثقل من أن يتحمله قبر واحد.
التاريخ لا يكتبه الغضب، ولا تنصفه الخصومة، ولا يزوَّره التشفي والحقد. لقد مضى هادي، ورأينا من جاءوا بعده، لكن اليمن لم يبرح مكانه بين الأزمات والانكسارات. فإذا كانت كل المأساة تختزل في رجل واحد، فلماذا لم تنتهِ بإقصائه؟ وعلى من ستُلقى المسؤولية إذا استمر هذا  الإنحدار المخيف الذي تهوي إليه البلاد؟!
رحم الله الرئيس هادي أجتهد فأخطاء وأصاب وأفضى اليوم إلى ربه فكفى هذا النبش المقيت لأن كل الملفات ملطخة بالسواد.

مقالات

هذا ما يمكن أن تقرأه عندما "تفتش" في عقل ترمب

قد يجد المتابع طريقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للحرب ضد إيران نفسه مربكا بين ما يريده ترمب بالفعل، وبين سيل التصريحات المتدفقة التي تعبر عن شخصيته النرجسية واعتداده بذاته، أو تلك التي تعبر عن عقلية التاجر الذي يمارس كافة أشكال المناورة، ورفع الأسعار وسياسة حافة الهاوية، أو تلك التي يرغب من خلالها أن يظل هو "مركز الحدث"، والعنصر المحرك في الإعلام؛ حتى لو اقتضى ذلك "ماكينة" لا تتوقف عن التصريحات المضللة.

مقالات

شهادة حول الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي

لم أكن قد التقيت به أثناء زياراتي لعدن، إذ كان العقيد عبد ربه منصور هادي من الصف الثاني في قيادة شطرنا الجنوبي، كان ضابطاً وقائداً محترفاً مؤهلاً في الجيش، إذ التحق به أثناء الاستعمار البريطاني، وتلقى دراسته العسكرية في بريطانيا، زميلاً للعقيد معمر القذافي، ثم في مصر، وأخيراً في الاتحاد السوفييتي

مقالات

المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر

حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.