مقالات

اليمن في ندوة في القاهرة

12/08/2026, 15:20:25

منذ فترة نحاول، بعيدًا عن الضجيج والجدل غير العلمي، أن نفهم لماذا تحولت الأزمة اليمنية من مشكلة سياسية إلى ملف أمني إقليمي وإنساني. هل كانت كلفة إزاحة الانقلاب أكبر من كلفة تبعاته في البحر الأحمر؟ وليس في هذا تقليل من أهمية أمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية، وإنما محاولة لفهم لماذا يجري الحديث عن هذه التداعيات بعيدًا عن جذور المشكلة: الانقلاب على العملية السياسية. ولماذا نتحدث عن العرض ونترك المرض؟

قبل أيام جذبني عنوان ندوة في المركز الثقافي بالقاهرة، كان المتحدث الرئيسي فيها الباحث فارع المسلمي، الباحث في معهد تشاتام هاوس، ويديرها باحث مصري. وكان عنوان الندوة: «اليمن في قلب التحولات الإقليمية والدولية».

قلت: هذا موضوع مهم، ومن باحث له علاقة بمراكز البحث الدولية، ويستحق أن نحضر ونستمع.

بدأ مقدم الجلسة بسؤال مهم: هل ما يزال العالم يهتم بما يحدث في اليمن؟ وهل يمكن، في ظل التحولات الإقليمية والدولية الأخيرة، أن تعود القضية اليمنية إلى صدارة المشهد الدولي والإقليمي بعد فترة الجمود؟ أورد هنا كلام المقدم بالمعنى لا بالنص.

جاءت إجابة المسلمي لافتة، ليس فقط بسبب ما قاله، وإنما لأنها جعلت من المحاضرة نفسها دراسة حالة لسؤال آخر: من يؤثر في الآخر؟ هل المراكز البحثية تؤثر في الباحثين، أم أن الباحثين هم الذين يؤثرون في تصورات هذه المراكز؟ أم أننا أمام تأثير متبادل؟ وهو سؤال يستحق الطرح من دون الوقوع في نظرية المؤامرة أو الحكم على نوايا المحاضر.

قبل الإجابة عن السؤال، قال المسلمي إنه يريد الحديث عن بعض «البديهيات» التي ينطلق منها في فهم اليمن. وقبل ذلك حاول كسر الجليد بطرفة عن هالة المكان والحضور، فقال إنه يعمل في الغرب مع نخبة لا يعرف معظم أفرادها، على حد تعبيره، هل اليمن اسم بلد أم اسم طبخة؟!

ثم انتقل إلى ما سماه البديهيات، وهي في الحقيقة أكثر من مجرد مقدمات عابرة؛ لأنها شكلت الإطار التفسيري الذي تحركت داخله المحاضرة كلها.

قال إن ما يحدث في اليمن هو:

* حرب أهلية.

* حرب إقليمية بالوكالة.

* دولة فاشلة لديها مشكلات من بينها المركزية وشح الموارد والفساد المالي والإداري.

ثم تحدث عن التدخلات الدولية، وحصرها في ثلاثة مسارات:

* إرسال المبعوثين.

* المساعدات الإنسانية.

* القصف والتدخل العسكري.

هذا المدخل كان كافيًا للتنبؤ بالإطار التفسيري الذي سيحكم بقية الحديث.

فالباحث، الذي عرف نفسه بأنه «باحث في شؤون اليمن والخليج»، لا ينظر إلى الأزمة من زاوية أن هناك عملية سياسية جرت برعاية دولية، في ظل انقسام داخلي عميق، وانتهت إلى توافق سياسي حول أسس الدولة ونقل السلطة، ثم جاءت جماعة الحوثي وانقلبت بقوة السلاح على تلك العملية.

ولا يبدو أن هذا المسار السياسي يحتل موقعًا مركزيًا في تفسيره للحرب، وبالتالي لا تظهر في خطابه، بالقدر الكافي، أسئلة المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية المترتبة على انهيار عملية سياسية كان المجتمع الدولي نفسه أحد رعاتها وضامنيها.

بدلًا من ذلك، تبدو الصورة أقرب إلى أن الجميع مسؤول، والجميع فشل، والجميع سواء.

بل إن الباحث وصف النخبة السياسية اليمنية بأنها «نخبة رخيصة»، وهو تعبير دفع مقدم الجلسة إلى لفت انتباهه إلى أن مهمة الباحث هي تحليل مواقف الأطراف والواقع كما هو، لا إطلاق النعوت التي تتجاوز الموضوعية.

وقد قال الباحث إن مشكلة البحر الأحمر سياسية، وكان في ذلك ما يدفع إلى التفاؤل للحظة؛ لأن إعادة القضية إلى جذورها السياسية تفتح بابًا مختلفًا لفهم الأزمة. لكنه عاد ليعرّف «السياسي» أساسًا من خلال الفساد المالي والإداري وانعدام الكفاءة في إدارة الدولة.

ثم ذهب أبعد من ذلك، فقال إن الحكومة، حتى لو تمكنت ــ بقدرة قادر ــ من الوصول إلى صنعاء وهزيمة الحوثيين، فإنها ستفشل وسيعود الحوثي مرة أخرى؛ لأنها، في تقديره، ليست حكومة رجال دولة ولا رجال حكم.

وهنا لا ندافع عن النخبة السياسية اليمنية، ولا نزعم أنها خالية من الفساد أو ضعف الكفاءة. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين تشخيص الضعف وبين تحويله إلى حكم حتمي على مستقبل الدولة.

فالفساد الإداري ليس هو الفشل السياسي، كما أن وصف النخبة كلها بأنها فاشلة أو رخيصة هي لغة تختصر المسافة بين السبب والنتيجة وهذا لا يعفينا من السؤال الأهم: من اتخذ القرار؟ ومن أفشل المسار السياسي؟ ومن استخدم القوة لتغيير قواعد اللعبة؟ وكيف تغير ميزان القوة؟ ومن استفاد من هذا التغير؟

 ان القفز فوق هذه الأسئلة أو المرور عليها سريعًا يجعل الحرب تبدو وكأنها النتيجة الطبيعية لفشل «النخب اليمنية»، بدل أن تُفهم باعتبارها نتيجة مسار سياسي محدد انهار بفعل قرارات وصراعات وتحولات في ميزان القوة وانقلاب مسلح على العملية السياسية.

اننا في النهاية امام نموذجين، نموذج يصف النتيجة ونموذج يفسر الطريق إليها.

لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم: هل ما يزال العالم مهتمًا باليمن؟ بل: أي يمن يراه العالم؟

يمنًا فاشلًا، وحربًا أهلية، وساحة حرب بالوكالة، وملفًا إنسانيًا وأمنيًا؟

أم دولة انهارت فيها عملية سياسية، وتصارعت فيها قوى محلية على السلطة والدولة، وتداخلت في صراعها قوى إقليمية ودولية، وأصبح استعادة الشرعية وبناء الدولة جزءًا من الحل؟

فالأسئلة التي نبدأ بها تحدد إلى حد بعيد الأجوبة التي نستطيع الوصول إليها، وربما لا تكون المشكلة أن العالم لا يعرف اليمن، وإنما أنه لا يزال يحاول فهمه من خلال أسئلة لم تبدأ من اليمن نفسه.

مقالات

الاتفاق الدفاعي السعودي ـ الباكستاني ـ التركي وإعادة تشكيل الأمن الإقليمي

لا أرى في الاتفاق الدفاعي السعودي ـ الباكستاني ـ التركي تحالفًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، بقدر ما هو صيغة للتكامل الدفاعي والأمني بين ثلاث دول تمتلك، بدرجات مختلفة، عناصر قوة وخبرات واحتياجات متكاملة وتواجه مخاطر أمنية مشتركة.

مقالات

الديانة الحوثية

الحوثية ليست ثورة داخل السياسة، بل انقلاب شامل على الثقافة، وعلى رؤية اليمنيين للعالم.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.