مقالات
اليمن بين تحالفين.. أيهما سيغلب؟
بعد أسبوعين من إعلان الرئيس اليمني رشاد العليمي عن بدء عملية (فجر اليمن) الهادفة لتحرير العاصمة اليمنية صنعاء وبقية المحافظات الواقعة تحت سيطرة المليشيا الحوثية لا يزال العديد من الجبهات تحت ضراوة النيران المتبادلة والمواجهات الساخنة بين الطرفين الحكومي والمتمرد دون حسم واضح لمصلحة أي منهما.
وهذا طبيعي في الحقيقة؛ لأن طول أمد سنوات الهدنة الأربع التي امتدت منذ عام 2022 أثبتت أن الحركة الحوثية استثمرتها في مزيد من الاستعدادات العسكرية وتطوير ترسانتها الصاروخية والحربية، واستفادت منها وبالذات خلال فترات فتح مطار صنعاء في جلب الخبراء الأمنيين والعسكريين من عدد من الدول لتعزيز قدراتها وصناعاتها العسكرية.
فيما كانت القيادة الجديدة -التي فوضها الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي ونقل إليها صلاحياته كمجلس رئاسي موسع يمثل مختلف الأطياف اليمنية الموالية للشرعية- تعمل على تهيئة الأجواء لمرحلة سلام ألزمها التفويض الرئاسي بها، وجاءت بموجب مبادرة (خارطة الطريق) التي اقترحتها المملكة العربية السعودية كبادرة حسن نية وأقرتها وتبنتها الأمم المتحدة، وأوكلت لمبعوثها مهام السعي لتنفيذها.
وفيما انشغل مجلس القيادة الرئاسي بكل ما يتعلق بإعادة البناء المؤسسي لعدد من أجهزة الدولة، كان الحوثيون يعيدون ترتيب أوضاعهم العسكرية بعد الإنهاك الشديد الذي عانوا منه بسبب خسائرهم البشرية واللوجيستية الفادحة على امتداد عامين من معارك محاولات السيطرة على محافظة مأرب وثرواتها النفطية التي فشلت ودفعتهم إلى قبول هدنة 2022، ومن بعدها "خارطة الطريق" التي تعاملوا معها لا كبرنامج سلام وطني مع خصومهم في الحكومة المعترف بها دوليا بل كأداة للتفاهم المباشر مع المملكة العربية السعودية، كما لو أنهم يمثلون الجانب اليمني وهو ما رفضته القيادة السعودية واعتبرته تجاوزا غير مقبول.
وهكذا ظلت "خارطة الطريق" تراوح مكانها حتى 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لحظة اندلاع طوفان الأقصى الذي نقل المنطقة إلى مشهد آخر ومتغير كبير شمل فيما شمل الأوضاع في اليمن ومعه دخل مشروع "خارطة الطريق" في ثلاجة تبريد جمدته مع مشاركة الحوثيين ضمن محور المقاومة في العمليات العسكرية في البحر الأحمر.
انتعشت الحركة الحوثية خلال حرب غزة وعملت على تجميل صورتها داخليا وخارجيا بانغماسها في العمليات العسكرية -على تواضعها- ضد الحكومة الإسرائيلية، واستفادت من استمرار فتح مطار صنعاء وتخفيف الرقابة على ميناء الحديدة -بموجب خارطة الطريق- في تدفق الخبراء والأسلحة، وعملت خلال تلك الفترة على تطوير قدراتها، كما أشرنا من قبل.
كما عملت على تعزيز صورتها داخليا كمقاوم لإسرائيل مستفيدة من الاعتداءات الإسرائيلية والهجمات الأمريكية التي طالت منشآتها ومصادر نيرانها، وكل ذلك وعينها على الداخل الذي تريد معاودة محاولاتها لاستكمال السيطرة عليه عندما تحين الفرصة وتستكمل تعويض خسائرها البشرية واللوجيستية. وقد كان واضحا مستوى تطوير قدراتها الصاروخية وطيرانها المسير من خلال هجماتها على إسرائيل خلال حرب غزة التي استمرت قرابة العامين.
وما بين نهاية حرب غزة وشنّ الحرب الأمريكية على إيران تصاعدت اللغة العدائية للحركة الحوثية ضد المملكة العربية السعودية والحكومة اليمنية الشرعية اللتين كانتا منشغلتين بمواجهة تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي في المحافظات الجنوبية والشرقية وإطفاء نيرانه واحتواء آثاره ونجحتا لاحقا في ذلك بجهود مضنية تكللت بتشكيل حكومة جديدة، وبدء التحضير لمؤتمر حوار جنوبي يشمل كل الأطراف والمكونات وتكون مخرجاته ضمن ما سيتم العمل على إنجازه في إطار الحل السياسي الشامل للأزمة اليمنية ككل.
والواضح أن الحوثيين اعتبروا أن تداعيات أزمة المجلس الانتقالي وما سببته من إنهاك للحكومة اليمنية وإشغال للمملكة قد وفرت لهم فرصة مناسبة لتقديم الدعم السياسي والميداني لحليفتهم إيران، وفي الوقت نفسه بدء مرحلة جديدة من معارك السيطرة على مساحات جغرافية جديدة من الأرض اليمنية تبدأ بالزحف باتجاه ميناء المخا وصولا إلى باب المندب واستكمال سيطرتهم على الساحل الغربي بالكامل لليمن، وما سيتبعه بالضرورة من عمل عسكري يهدف للسيطرة على باقي الأرض اليمنية وسواحلها الجنوبية والشرقية، مستفيدين في ذلك من انشغال العالم بالأزمة الأمريكية الإيرانية التي تؤكد كل المؤشرات أنها مرشحة للاستمرار لأمد غير محدود المدى في المرحلة القادمة.
كان التنسيق الإيراني الحوثي في أرفع مستوياته عندما بدأت الأزمة بهبوط طائرة ماهان الإيرانية في مطار صنعاء دون موافقة مسبقة من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا أوائل يوليو/تموز الماضي لنقل وفد حوثي إلى طهران للمشاركة في تشييع جثمان المرشد الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي، وتتابعت التداعيات عند عودتها ورفض هبوطها في صنعاء، ومن ثم هبوطها في مطار الحديدة.
ومنذ ذلك الحين تلاحقت الأحداث بالتصعيد السياسي الذي تبناه قائد الحركة عبد الملك الحوثي بنفسه ضد المملكة العربية السعودية معلنا معادلة الحصار بالحصار والمطار بالمطار… إلخ، التي اعتبرها المراقبون إعلانا للحرب ضد المملكة والتعامل معها كندّ ورفض الحوار مع الحكومة الشرعية للتوافق حول حل سياسي شامل.
وعلى الفور بدأت المليشيا التحرك نحو تعز والساحل والقصف المتواصل منذ أغسطس/آب الماضي على مدن الساحل التي لا تخضع لسلطتها حتى سيطرتها على مدينة وميناء المخا خلال الثلث الأول من سبتمبر/أيلول الماضي وصولا إلى باب المندب، محققة بذلك واحدا من أهم أهداف إيران في هذه المواجهة الممتدة مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول المنطقة.
ولم تكتف المليشيا بذلك بل اتجهت نحو أرياف محافظة ومدينة تعز فيما يتوالى قصف المدن والأعيان المدنية السعودية، الأمر الذي رفع مستوى التنسيق اليمني السعودي إلى أعلى مستوياته منذ انطلاق عملية (عاصفة الحزم) في مارس/آذار 2015، بإعلان الرئيس اليمني رشاد العليمي في 4 أكتوبر/تشرين الأول الجاري عن انطلاق عملية (فجر اليمن) ليعلن مجلس الوزراء السعودي فورا تأييده ومساندته لها.
فقد أدرك البلدان حجم الخطر الذي أصبحت المليشيات تشكله على أمن واستقرار الجزيرة العربية والخليج والمنطقة على السواء، خاصة بعد أن نجحت المليشيات في تعطيل بعض المطارات السعودية، وهو ما أدخل المعركة الشاملة في طور مختلف ومستوى كبير يمكن اعتباره أقرب لمعركة (كسر عظم) لن يستقر وضع المنطقة إلا بحل حاسم له يتمثل بإنهاء سيطرة المليشيا على ما تحت يدها من أراضي اليمن ونزع سلاحها، وترك الخيار لها لاحقا للتحول لحزب سياسي مدني إن شاءت، وهو أمر غير مطروح قطعا في تكوينها الأيديولوجي والسياسي والفكري.
عند كتابة هذا المقال كانت القوات المسلحة اليمنية ممثلة في ألوية العمالقة ودرع الوطن قد تمكنت من استعادة السيطرة على مضيق باب المندب وأجزاء واسعة من مدينة "ذوباب" المحاذية للمضيق، فيما كانت مدينة تعز تسطر ملاحم كبيرة في الدفاع عن نفسها ومحيطها الريفي، كما كانت القوات المسلحة في مأرب والجوف تنجز تقدمات ميدانية محدودة.
وما ينبغي أن يقال هنا هو أن محدودية تحركات الجيش اليمني بكل أفرعه، أمر ناتج عن الكم الهائل من الألغام الذي تزرعه المليشيات في كل المناطق التي تسيطر عليها بغرض إعاقة وإبطاء تحركات خصومها، ناهيك عن أن قدرات وإمكانات القوات المسلحة الحكومية أقل من المليشيات، إذ يكمن الفارق هنا في أن الحكومة اليمنية المعترف بها كانت تمنح وزارتي الدفاع والداخلية حصصا مخصصة من الموازنة العامة إلى جانب مخصصات الرواتب الشهرية ونفقات التشغيل للوزارات والمؤسسات ونفقات الخدمات العامة إذ لم تنقطع خدمات الدولة في المناطق التي تخضع للحكومة الشرعية.
كما أن الإنفاق على استمرار خدمات الكهرباء الحكومية على سبيل المثال وصل لمستويات باهظة.. وفي المقابل فإن المليشيات في مناطق سيطرتها خصصت كل الموارد الهائلة من الجمارك والضرائب والزكاة للتصنيع والتطوير العسكري وتشغيل الأجهزة الأمنية والعسكرية دون أن تتحمل كلفة الرواتب إلا في إطار محدود جدا فيما تطالب بصرفها من الحكومتين اليمنية والسعودية، ولهذا تمكنت من إعداد وتجهيز مخزون هائل من الأسلحة والمعدات يمكنها من القتال لفترات طويلة، وهو ما يفسر هذا الحجم الكبير من الكثافة النيرانية الذي تدفع به في كل معاركها.
يدرك اليمنيون أنهم هذه المرة أمام معركة طويلة وقاسية وأن طرق الحل السلمي وسبله أصبحت أشبه بالخيال والأحلام في ظل تعنت المليشيا ورفضها قبول مبدأ الشراكة والعودة للمسار السياسي الانتخابي والاحتكام للدستور، وأنها قد أغلقت كل الطرق للتفاهم الأخوي بين اليمنيين الذين تقسمهم إلى رعايا أتباع وعملاء مرتزقة.
ليس ذلك فحسب بل إنها أغلقت كل سبل التفاهم مع جيران اليمن ومع دول المنطقة التي أصبحت ترى في هذه المليشيا اليوم تهديدا جادا وحقيقيا يصعب قبوله كحاكم لبلد مهم ومؤثر كاليمن، ناهيك عن أن العالم الغربي استيقظ من سباته، بعد أن ظلت القوى الناعمة للمليشيا وحساباتها الصغيرة تعمل على تصوير الحوثيين كأقلية مضطهدة.
وأصبح اليوم يعتقد أن سيطرة هذه القوى المسلحة على المضايق والممرات الملاحية المهمة كمضيق باب المندب والبحر الأحمر هو أمر لا يمكن قبول المخاطرة به بما في ذلك -على أرجح الظن- دول مثل روسيا والصين التي يمكن أن تقبل استخدام مثل هذه المليشيات لِلَيّ أيدي دول كبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، لكنها لن تقبل في النهاية التعامل معها -أي المليشيا- كدول وأنظمة مستقرة تتبادل معها المصالح والزيارات والاعتراف والسفارات.
لذلك كله وما سبق ستطول هذه المعركة، ولن يقبل اليمنيون بتسليم أنفسهم لسلطة ستتعامل معهم كمواطنين من الدرجة الثانية والثالثة والعاشرة ورعايا ينبغي عليهم فقط رفد خزائن هذه السلطة بالزكوات والموارد والقتال معها دون أن تكون لهم حقوق دستورية وسياسية ومعيشية وإنسانية في المقابل، وحتى لو حققت هذه المليشيا مكاسب عسكرية على الأرض فإنها كسابقيها من حكم الأئمة لن تهنأ بالاستقرار والاطمئنان على أرض ومواطن يرفضانها.
وبين تحالف المليشيا الحوثية مع إيران وتحالف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا مع المملكة العربية السعودية يستطيع المواطن اليمني ببساطة ودون أي تعقيد أن يدرك أي التحالفين أكثر نفعا وخدمة لبلاده.
فلا تاريخ إيران شاهنشاهية كانت أم خمينية له بصمات في دعم اليمن تنمويا وسياسيا بل على العكس فإيران الشاه دعمت الإماميّين الأوَّلِين عسكريا، وإيران الخميني دعمت الإماميّين المتأخّرين عسكريا كذلك، وفي المقابل فمحطات التوافق اليمني السعودي أكثر بكثير من محطات الخلاف.
ففي العهد المتوكلي لم يزد خلاف الدولتين على سنوات قليلة قد لا تزيد على الثلاث ثم ساد التوافق والتفاهم، وفي العهد الجمهوري حصل الخلاف بعد ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962 لسنوات قليلة لأسباب خارجية معروفة، ومنذ المصالحة الوطنية عام 1970 سادت علاقة أخوية استمرت حتى اليوم رغم وجود محطتي خلاف عابرتين لم ينقطع خلالهما التواصل والعلاقات.
ناهيك عن أن ملايين اليمنيين يعملون في المملكة منذ الخمسينيات وربما قبلها وحتى اليوم يعيلون عائلاتهم ويرفدون الخزانة اليمنية بمليارات الدولارات، إضافة للدعم السنوي الرسمي السعودي للموازنة اليمنية الذي استمر منذ عام 1970 وحتى عام 1990، ومن بعد عام 1995 عاد الدعم بأشكال مختلفة وبالذات للتنمية والخزينة العامة، وحتى اليوم.
إن خيار اليمنيين بين السعودية وإيران محسوم قطعا لمصلحة المملكة لأسباب موضوعية وواقعية إلى جانب عوامل الجغرافيا والتاريخ واللغة والدين والعلاقات والأواصر الاجتماعية والقبلية.
وإلى جانب ذلك كله المصالح السياسية والإستراتيجية والمستقبلية التي تحكم البلدين، وستحكم اتجاهات الحكم والسياسة في الفترة القادمة، فعوامل البناء المشترك بين البلدين أعمق من أن تعطلها سياسات مليشياوية طارئة لا يمكن لها العيش والاستمرار في بلد كاليمن له تاريخه ومكانته وتأثيره.
ومهما كانت صعوبة المعركة القائمة وطول أمدها وقسوتها فإنها أصبحت ضرورة قاطعة لحسم صورة المستقبل لمصلحة الاستقرار في اليمن ووضع المنطقة في ظل هذا التشابك غير المسبوق بين كل صراعاتها ومواجهاتها من إيران شرقا حتى تركيا شمالا وإثيوبيا وإريتريا غربا واليمن جنوبا.
نقلا عن 'الجزيرة نت'