مقالات

اليمنيون كلهم شيعة

25/07/2025, 13:35:50

ما من أمةٍ أحبّت أقاربَ نبيّها كما فعل اليمنيون، حتى غدت المحبةُ طقسًا، والتقديسُ عقيدةً. ذلك الحبّ، الذي بقي من طرفٍ واحد، منح أسرةَ محمدٍ النبي ولايةً روحيةً، وامتيازًا اقتصاديًا، وحقًا مزمنًا في السلطةِ السياسية.

في اليمن، التشيع ليس مجردَ انتماءٍ مذهبي، بل هويةٌ راسخةٌ في شماله، وهوىً روحيٌ في سائرِ جغرافيته. ويبدو ذلك جليًا في السلطةِ الرمزية التي يتمتع بها "أحباب" حضرموت.

على المستوى الإسلاميّ الأوسع، يسكنُ التشيعُ -كميلٍ دائم وكهويةٍ في أحيانٍ كثيرة- وجدانَ السني، تمامًا كما يسكنُ ضميرَ الشيعي. فأئمةُ المذاهبِ الأربعة، وإن كانوا سنّةً في الفقه، إلا أنهم شيعةٌ في العاطفة، وإن بدرجاتٍ متباينة.

الخللُ الجوهريُّ يتجلّى في بنيةِ العقلِ الإسلاميّ ذاته، الذي مزجَ النبوةَ بالنسب، والرسالةَ بالسلالة، فعطّل بذلك مواكبةَ مقاصدِ الدينِ لتطوراتِ العصر، حين منحَ القرشيةَ والهاشميةَ السياسيةَ تفويضًا إلهيًا بسلطاتٍ متعددةٍ وتسلطٍ مزمن.

التشيعُ في جوهرِه لا يمثلُ معضلةً إذا ظل تجربةً فرديةً لاهوتية، أو ملاذًا روحيًا خاصًا. لكنّ الإشكالَ يبدأ عندما تعملُ تلك العاطفةُ على إزاحةِ الحدودِ بين الدينِ والسياسة.

كلُّ أنواعِ السيطرةِ الروحيةِ من خلالِ الدينِ تسعى، في أساسِه، إلى إقامةِ دولةٍ دينية، وهو ما أعاقَ التطورَ الطبيعيَّ لبناءِ الدولة، وأصابَ مفهومَ المواطنةِ بعطبٍ بنيوي.

فبعد ثورةِ ٢٦ سبتمبر، التي كانت المشروعَ الوطنيَّ الجادَّ للتحررِ من هيمنةِ الدينِ السياسي، استطاعت الهادويةُ السياسيةُ والتشيعُ القرشيُّ بشقّيه الإخواني والسلفي الالتفافَ على الثورة، مستفيدين من انتهازيةِ السلطاتِ والأنظمةِ السياسيةِ المتعاقبة.

وقد ساهمَ نظامُ الرئيسِ صالحٍ في مراكمةِ هذا الخراب، حين فتحَ أبوابَ الدولةِ والمجتمعِ أمام الوهابيين والإخوان المسلمين والهادوية السياسية في سبيلِ البقاءِ في الحكم.

بانتهازيةٍ وبخفةٍ سياسيةٍ لعبَ صالحٌ لعبةَ التوازناتِ الخطرة، ودفعَ بكلِّ جماعاتِ الدينِ السياسي إلى مواجهةِ بعضِهم في سبيلِ تحجيمِهم، وإشغالِهم ببعضِهم.

لكنّ النتيجةَ كانت كارثيةً؛ الدولةُ سقطت، والنظامُ انهار، وباتت الشظايا الجغرافيةُ تحت سيطرةِ من رفعوا القرآنَ على أسنةِ السيوف.

إن استعادةَ الدولةِ اليمنيةِ لن تكون ممكنةً إلا حين يُعاد النظرُ في البنيةِ الفكريةِ التي سمحتْ بتغوّلِ المقدّسِ على السياسي، وحين يُفصلُ الدينُ عن أدواتِ الحكم، لا نزعًا للإيمانِ من القلوب، بل صيانةً له من التوظيف.

الدولةُ المدنيةُ العلمانيةُ ليست نقيضَ الدين، بل ضمانةً له من الاستهلاكِ السياسي، تمامًا كما أنها الضامنُ الوحيدُ لحقِّ الجميعِ، سنّةً وشيعةً، مؤمنين وغير مؤمنين، في العيشِ تحت مظلةِ المواطنة، لا الجماعة أو السلالة.

لقد آنَ للعقلِ السياسيِّ والثقافيِّ اليمنيّ، وقد دفعَ أثمانًا باهظة، أن يراجعَ نفسه، وأن يحررَ قداسةَ النبوةِ من عبءِ السياسة، وأن يصوغَ مشروعَ دولةٍ، لا جماعةَ ولا سلالةَ ولا طائفة.

مقالات

قحطان وعبدالملك الحوثي

يملك زعيم جماعة الحوثي ترسانة كاملة من أدوات الإخضاع والإبادة والجريمة؛ كراهية السلالة، والسلاح، والسجون، والقدرة على تحويل القتل إلى فعل يومي يُتلى بخطاب تعبوي بليد. ومع ذلك، ظل يشعر أمام شخصية محمد قحطان بشيء يشبه العجز الأخلاقي وانعدام الجدارة السياسية والفكرية.

مقالات

الانتقالي الأصلي أو الدولة.. لا خيار!

في جوهره، يظلّ المجلس الانتقالي مشروعاً مناطقيّاً أكثر منه مشروعاً سياسيّاً وطنيّاً جامعاً، كما أن قاعدته الصلبة والحقيقية تقوم — إلى حدٍّ كبير — على جمهور مناطقي حادّ الانتماء، وهو الجمهور الأكثر ثباتاً وتمسّكاً به. أمّا القادمون إليه من بقية المحافظات، فغالبيتهم إمّا أصحاب مصالح ظرفية، أو أشخاص دفعتهم الأوهام السياسية والرهانات المؤقتة،

مقالات

الخليج في عين العاصفة: إعادة تعريف الأمن

تفرض الحرب الإيرانية الجارية نفسها بوصفها لحظة فاصلة في تاريخ الشرق الأوسط والخليج العربي، ليس فقط بسبب حجم العمليات العسكرية واتساع نطاقها، وإنما أيضا بسبب ما تكشفه من تحولات عميقة في مفاهيم الأمن والاستقرار وموازين القوة الإقليمية والدولية. فالحرب لا تعيد تشكيل العلاقة بين إيران وخصومها فحسب، بل تدفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى مراجعة شاملة لافتراضات استندت إليها لعقود طويلة في إدارة الأمن الإقليمي، وفي مقدمتها الاعتماد شبه الكامل على المظلة العسكرية الأمريكية، والاعتقاد بإمكانية احتواء التهديدات الإقليمية عبر أدوات الردع العسكري وحدها.

مقالات

الحوثي والسلطة المستوهمة

مع مطلع العام 2015، انهار المركز في اليمن، وفرضت الحرب واقعاً جديداً. هذا الواقع، لو حدث في النصف الأول من القرن الماضي، أو حتى في بدايات النصف الثاني منه، لغدا أقلَّ التباساً مما هو عليه اليوم، ولآلَ ــ كما جرت عليه مجريات القرون الماضية ــ إلى إعادة تشكيل الفضاء السياسي عبر ظهور تكوينات سلطوية جديدة تملأ الفراغ السيادي (souverain) وتعيد إنتاج السيادة التبعية (suzeraineté).

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.