مقالات

النظرية السياسية للحوثيين.. الجذر الذي يتجاهله "خبراء" اليمن وعقدة أي سلام قابل للحياة

14/09/2026, 06:37:15

يتجاهل بعض من يُطلقون على أنفسهم خبراء أو باحثين في الشأن اليمني جذور الصراع الأساسية بين الحوثيين واليمنيين، وفي مقدمتها ادعاء الحوثيين أحقيتهم في الحكم استناداً إلى مزاعم دينية ونسبية، وهي الفكرة التي تنتمي إلى النظرية السياسية الزيدية وتُعرف في الخطاب الحوثي أحياناً بمفهوم "الولاية"، أي الأحقية بالحكم.

وهذا الصراع يختلف، في جوهره، عن مجرد صراع سياسي على السلطة كما هو الحال في كثير من بلدان العالم؛ لأن أحد أطرافه لا ينطلق من مبدأ أن الشعب هو مصدر شرعية الحكم، وإنما من تصوّر ديني يرى أن فئة محددة تملك أحقية أصلية في الحكم.

وتبعاً لذلك، فإن اختزال جذور الصراع اليمني في التدخل الخارجي، وحصره في التدخل السعودي، فضلاً عن تاريخ الصراع الحالي منذ تدخل الرياض عام 2015 فقط، يعكس تسطيحاً وجهلاً معرفياً بطبيعة الصراع وجذوره التاريخية، فضلاً عن كونه مدفوعاً بدوافع سياسية وأيديولوجية ومذهبية.

السياق التاريخي للصراع الحالي أقدم بكثير، ويتعلق بطموح الأسر التي تطلق على نفسها "هاشمية" في الوصول إلى الحكم، استناداً إلى مزاعم النسب. وهذا الطموح لا يقتصر على أسرة الحوثيين، بل ينطبق على كل أسرة تسمح لها الظروف بامتلاك وسائل القوة لفرض مشروعها، وهو ما حدث على امتداد تاريخ الأسر الزيدية التي أقامت دويلات لفترات زمنية متقطعة ومتباعدة. وهذا من أبرز عوامل تكرر الصراع بين اليمنيين وهذه الأسر.

كما أن هذا الطموح لا يتعلق بحكم اليمن فقط، بل يشمل الجزيرة العربية، وفي القلب منها مكة المكرمة والمدينة المنورة، استناداً إلى مزاعم النسب التي تمنحهم، وفق هذا التصوّر، الأحقية بالحكم.

وهذا ما حاول أن يفعله مؤسس الهادوية الزيدية يحيى بن الحسين الرّسي عندما قدم إلى اليمن؛ إذ تمثلت الرغبة في تأسيس جيش يمني، مستفيداً من خبرة اليمنيين في القتال، ثم الانطلاق من اليمن لغزو الجزيرة العربية.

وبالتالي، فإن الخلاف مع السعودية لا يتعلق فقط بتدخلها في اليمن، بل يرتبط، في جانب منه، بالطموح الديني والسياسي ذاته الذي يجعل أصحاب هذا التصوّر يعتقدون أنهم الأحق بحكمها.

والأهم أن تبني الحوثيين لهذه النظرية السياسية يجعل التوصل إلى اتفاق سياسي قابل للتنفيذ معهم أكثر تعقيداً، فأي ترتيبات سياسية جادة ستتضمن، بصورة أو بأخرى، مرحلة انتقالية تنتهي إلى انتخابات، بينما يتعارض مبدأ الاحتكام إلى الانتخابات مع مشروع سياسي يرى أصحابه أنهم أحق بالحكم بحكم ديني ونَسَبي، وأنهم ليسوا بحاجة إلى العودة إلى الشعب للحصول على تفويض منه.

ولهذا، يجب أخذ تمسك الحوثيين بهذا المشروع في الاعتبار عند أي مفاوضات مستقبلية، وعدم التعامل معه باعتباره مجرد خطاب سياسي عابر. فإذا كان "الولاية" تعني، في جوهرها، الأحقية بالحكم، فإن هذه المسألة ينبغي أن تكون حاضرة بوضوح في أي تسوية سياسية، وأن يتضمن أي اتفاق التزاماً صريحاً من الحوثيين بالاحتكام إلى إرادة اليمنيين، وقبول مبدأ تداول السلطة عبر الانتخابات، والتخلي عن أي ادعاء ديني أو نسبي يمنحهم حقاً خاصاً في الحكم.

وما لم تُناقش هذه المسألة بوضوح وتُحسم في أي مفاوضات، فإن الحديث عن اتفاق سلام قابل للتنفيذ سيظل أقرب إلى الأمنيات منه إلى تسوية سياسية يمكن أن تصمد على أرض الواقع.

وهذا الطموح، سواء كان مرتبطاً بحكم اليمن أو الجزيرة العربية، لا يمكن أن تلغيه أي اتفاقية سياسية إذا لم تتناول أساسه الفكري والسياسي، وسيظل هدفاً يسعى أصحابه إلى تحقيقه.

والخلاصة: إذا أراد هؤلاء "الخبراء" الخوض في الشأن اليمني، فعليهم أن يقرأوا جزءاً من تاريخه، ولا نقترح عليهم الكتب التي كُتبت ضد الحوثيين، بل نقترح عليهم قراءة مؤلفات أئمة الزيدية أنفسهم، حتى يعرفوا ما الذي يتحدثون عنه قبل أن يقدموا تفسيرات مبتورة للصراع اليمني.

 

نقلا عن صفحة الكاتب على "فيسبوك"

مقالات

إيران وباب المندب... الجغرافيا سلاحاً نووياً

معادلة هرمز وباب المندب شديدة الخطورة، فإيران ليست بحاجة إلى السيطرة الرسمية والمباشرة على المضيقَيْن، كما أنّها ليست بحاجة إلى إغلاقهما فعلياً. يكفي أن تمتلك، مع حلفائها، القدرة على التهديد والتعطيل ورفع كلفة الملاحة والتجارة والطاقة، وهذه القدرة في حدّ ذاتها تتحوّل إلى ورقة ردع وتفاوض وضغط في أيّ مواجهة إقليمية أو دولية

مقالات

السقوط الثاني لباب المندب.. الأدوار والتداعيات

تحتاج السعودية بشكل سريع وعاجل إلى تعزيز الجهد العسكري الميداني عبر وحدات القوات المسلحة اليمنية، والدمج الكامل للتشكيلات والمسميات التي فرضتها مرحلة الهندسة الخائبة للمشهد اليمني، والتي لم تأخذ بعين الاعتبار مخاطر تحول اليمن إلى ساحة لصراع متعدد الأطراف.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.