مقالات
المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر
-من السودان واليمن إلى الصومال وليبيا وسوريا: خرائط الوكلاء والموانئ والعنف المخصخص
حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.
السودان ليس الحالة الوحيدة. في اليمن تمددت تشكيلات مسلحة وسلطات أمر واقع خارج بنية الدولة. وفي الصومال تحولت بربرة وأرض الصومال إلى مساحة تتداخل فيها الموانئ والأمن والسياسة والاعتراف الدولي. وفي ليبيا، تقاطع الدعم الخارجي لخليفة حفتر مع بيئة السلاح والمرتزقة والانقسام. أما سوريا، فقدّمت شكلًا آخر من التدخل: إعادة تأهيل نظام مأزوم قبل عدالة الضحايا أو تسوية سياسية قابلة للحياة، ثم انكشاف حدود هذا الرهان بعد سقوط الأسد.
يتكرر المشهد بصور مختلفة. في بربرة يبدأ النفوذ من الميناء، وفي اليمن من التشكيلات المسلحة المحلية، وفي السودان من شبكات الإمداد والمرتزقة. ومع كل صورة من هذه الصور تتقدم القوى الموازية للدولة، بينما تتراجع قدرة الدولة نفسها على الإمساك بالأرض والسلاح والقرار السياسي.
في السودان، تجاوزت الاتهامات الموجهة إلى الإمارات حدود السجال السياسي بين أبوظبي والخرطوم. الحرب كشفت، مع الوقت، شبكة تمتد خارج السودان: مقاتلون أجانب، شركات أمنية، طرق إمداد، وأموال تتحرك بين الحدود والموانئ قبل أن يظهر أثرها في حياة المدنيين. وفي دارفور، حيث يسمع السكان لغات أجنبية قرب الفاشر وتنتشر روايات عن أسلحة وذخائر تمر عبر مسارات معقدة، يغدو وصف الحرب بأنها صراع داخلي خالص وصفًا ناقصًا. السودان تحول تدريجيًا إلى ساحة تتداخل فيها الحرب المحلية مع مصالح الذهب والموانئ وخطوط النفوذ الإقليمية.
قبل سنوات، راهنت الخرطوم على مسار الاتفاقات الإبراهيمية بوصفه طريقًا للخروج من العزلة وفتح باب مختلف مع الغرب وحلفائه في المنطقة. سارت الوقائع في اتجاه آخر. الدولة ازدادت هشاشة، والحرب تمددت، والقوى الخارجية حضرت في المشهد السوداني بقوة أكبر. التطبيع منح السودان وعودًا سياسية، لكنه لم يمنحه حصانة، ولم يمنع القوى المتغذية على ضعف الدولة من دفع البلاد نحو حرب مدمرة.
توسعت الشبهات حول الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع قبل تقرير المقاتلين الكولومبيين. ففي ديسمبر 2024 نشرت رويترز تحقيقًا عن رحلات من الإمارات إلى مهبط في تشاد، قالت الأمم المتحدة ودبلوماسيون إنهم يشتبهون باستخدامه لإمداد قوات الدعم السريع بالسلاح، بينما قالت الإمارات إن الرحلات إنسانية. وفي مايو 2025، قالت منظمة العفو الدولية إن أسلحة صينية متقدمة ظهرت لدى قوات الدعم السريع، واعتبرت ذلك مؤشرًا على دعم إماراتي في خرق محتمل لحظر السلاح على دارفور.
على الضفة الأخرى من البحر الأحمر يظهر الوجه البحري للسياسة نفسها. في أرض الصومال، رسخت الإمارات حضورًا طويل الأمد في بربرة. بدأت القصة عام 2016 باتفاق موانئ دبي العالمية لإدارة وتطوير الميناء لمدة 30 عامًا، بقيمة استثمارية قُدّرت بـ442 مليون دولار. ثم تبع ذلك حضور أمني وتدريب لقوات أمن أرض الصومال، وفق ما أوردته رويترز في سياق تتبعها للنفوذ الإماراتي هناك.
بالنسبة إلى الحكومة الصومالية في مقديشو، حملت هذه الترتيبات معنى سياسيًا يتجاوز الاستثمار. الاتفاقات جرت مع كيان انفصالي لا تعترف به الدولة الصومالية ولا الاتحاد الأفريقي، فيما بقيت الحكومة المركزية خارج الترتيب تقريبًا. لذلك أعلنت مقديشو في يناير 2026 إلغاء اتفاقاتها مع الإمارات، بما فيها اتفاقات الموانئ والدفاع والأمن، واتهمت أبوظبي بتقويض السيادة الصومالية.
ثم جاء الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في 26 ديسمبر 2025 ليضيف طبقة أخرى إلى المشهد. بعد سنوات من الحضور الإماراتي في بربرة، صار الميناء جزءًا من ترتيبات أكبر من التجارة والشحن. إسرائيل حصلت على موطئ قدم سياسي جديد قرب باب المندب، وأرض الصومال اقتربت أكثر من شبكة التحالفات المحيطة بالاتفاقات الإبراهيمية، بينما نظرت الدولة الصومالية إلى ما يجري بوصفه تجاوزًا مباشرًا لها. هكذا تحولت بربرة من ميناء على خليج عدن إلى نقطة تقاطع بين المال والأمن والاعتراف السياسي والتطبيع.
اليمن يكشف الوجه العسكري الأكثر مباشرة لهذا النمط. دخلت الإمارات الحرب ضمن التحالف الذي قادته السعودية تحت شعار دعم الحكومة المعترف بها دوليًا واستعادة الدولة من الحوثيين. وبعد تحرير عدن في يوليو 2015، بدأت في العاصمة المؤقتة مرحلة جديدة لم تستعد فيها الدولة اليمنية سيطرتها الطبيعية، بل نشأت بنية أمنية موازية داخل المدينة ومحيطها، شاركت فيها القوات الإماراتية وقوات محلية درّبتها وموّلتها أبوظبي.
في عدن، صارت السلطة موزعة بطريقة مربكة لكثير من اليمنيين. توجد حكومة معترف بها دوليًا، بينما القرار الأمني والعسكري على الأرض لا يستقر دائمًا في يدها. وفي سقطرى، صار موقع الجزيرة في البحر العربي أكبر حضورًا من حاجات سكانها. وعلى الساحل الغربي، تشكلت قوى محلية تدير مناطقها بمنطق قريب من سلطات الأمر الواقع.
منذ تحرير عدن في يوليو 2015 حتى نهاية ديسمبر 2025، تشكلت في العاصمة المؤقتة بنية أمنية موازية للدولة. بدأت هذه البنية تحت الحضور الإماراتي المباشر، ثم استمرت عبر الحزام الأمني، ووحدات مكافحة الإرهاب، والتشكيلات المحلية المدعومة إماراتيًا، قبل أن يصبح المجلس الانتقالي الجنوبي القوة الأبرز في المدينة.
في 22 يونيو 2017، قالت هيومن رايتس ووتش في تقرير بعنوان “اليمن: الإمارات تدعم قوات محلية مسيئة” إن الإمارات تموّل وتسلّح وتدرّب قوات يمنية نفذت اعتقالات تعسفية وإخفاءً قسريًا وتعذيبًا خلال عمليات أمنية في الجنوب، خصوصًا تحت عنوان مكافحة القاعدة وتنظيم الدولة. وفي 26 أكتوبر 2017، عادت المنظمة إلى ملف عدن تحديدًا عبر تقرير عن إضراب محتجزين عن الطعام في سجن بئر أحمد، واتهمت الإمارات ووكلاءها اليمنيين بالتنصل من مسؤوليتهم عن إساءة معاملة المحتجزين.
وفي 12 يوليو 2018، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرها “الله وحده يعلم إن كان حيًا”، وقالت فيه إن قوات أمنية يمنية مدعومة من الإمارات، إضافة إلى قوات إماراتية عاملة في جنوب اليمن، نفذت مئات الاعتقالات التعسفية وانتهاكات جسيمة شملت الإخفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة، غالبًا تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب”. بهذا المعنى، لم تكن الانتهاكات مسألة غامضة أو مبنية للمجهول؛ فقد صدرت عنها تقارير محددة، في تواريخ محددة، وداخل فترة كانت فيها الإمارات تمسك بجزء وازن من القرار الأمني في عدن وجنوب اليمن.
محطة أغسطس 2019 كشفت انتقال مركز القوة من الحضور الإماراتي المباشر إلى القوة المحلية التي صنعتها ودعمتها أبوظبي. ففي 10 أغسطس 2019، سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا، على عدن ومقار حكومية وعسكرية تابعة للحكومة المعترف بها دوليًا. وبعد ذلك بشهرين، أعلنت الإمارات في 30 أكتوبر 2019 أن قواتها غادرت عدن وسلّمت السيطرة للسعودية، لكنها أبقت نفوذها السياسي والعسكري عبر المجلس الانتقالي والقوات التي درّبتها ومولتها.
منذ ذلك التاريخ وحتى أزمة ديسمبر 2025، لم تختفِ البنية الأمنية التي وُلدت في ظل الوجود الإماراتي، بل تبدلت واجهات السيطرة. ففي 22 فبراير 2021، قالت هيومن رايتس ووتش ومواطنة لحقوق الإنسان إن قوات أمنية تابعة للمجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا اعتقلت الصحافي عادل الحسني تعسفيًا منذ سبتمبر 2020 وعرضته للتعذيب. وفي يناير 2026، عادت هيومن رايتس ووتش إلى ملف السجون غير القانونية في جنوب اليمن ودعت إلى إطلاق المحتجزين تعسفيًا، ثم قالت لاحقًا إن قوات المجلس الانتقالي احتجزت أعضاء من اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، وهي هيئة وطنية مستقلة تحقق في انتهاكات جميع أطراف الحرب.
وبذلك، فإن ملف السجون السرية والإخفاء القسري والتعذيب في عدن لا يُقرأ كحوادث مبعثرة أو كاتهامات مجهولة المصدر، بل كمسار زمني واضح: بدأ مع تفكك السلطة بعد تحرير عدن في يوليو 2015، وتعمق خلال الحضور الإماراتي المباشر حتى أكتوبر 2019، ثم استمر عبر المجلس الانتقالي والقوات المرتبطة به حتى أزمة ديسمبر 2025. وفي 30 ديسمبر 2025 أعلنت الإمارات سحب ما تبقى من وحداتها في اليمن، ثم أعلن بعض قادة المجلس الانتقالي في 9 يناير 2026 حل المجلس، قبل أن ينفي متحدثون باسم المجلس ذلك، بما كشف عمق الانقسام الداخلي بعد التدخل السعودي وتراجع نفوذ المجلس في الجنوب.
داخل هذه البنية، تحول المجلس الانتقالي الجنوبي من شريك داخل السلطة المعترف بها دوليًا إلى قوة أمر واقع تملك نفوذًا عسكريًا وأمنيًا يتجاوز مؤسسات الدولة. وجوده داخل الحكومة لم يؤدِّ إلى دمج قواته في بنية الدولة اليمنية؛ بل بقي محتفظًا بتشكيلاته المسلحة وخطابه السياسي ومشروعه المنفصل. وهنا ظهر أحد أكثر جوانب الدور الإماراتي إثارة للجدل: ترسيخ قوة محلية تدين لأبوظبي بالنفوذ والدعم، وتملك حضورًا فعليًا في عدن والساحل والجزر والموانئ، على حساب سلطة يمنية موحدة.
من هذه الزاوية، أخذت الرياض تنظر إلى استمرار هذا المسار بوصفه تهديدًا يتجاوز الخلافات اليمنية الداخلية. ففي ديسمبر 2025 حذر التحالف الذي تقوده السعودية من تحركات المجلس الانتقالي في الجنوب، واتهمه بارتكاب انتهاكات خطيرة ضد المدنيين، قبل أن تعلن الإمارات في 30 ديسمبر سحب ما تبقى من قواتها في اليمن. وهكذا لم يكن الخلاف بين الرياض وأبوظبي مجرد تباين تكتيكي داخل التحالف، بل صراعًا حول شكل اليمن النهائي: دولة مركزية يمكن ضبط حدودها الجنوبية، أم فضاء جنوب متشظٍ تديره تشكيلات محلية متنافسة.
هذا لا يبرئ الحوثيين من مسؤوليتهم عن الحرب والانقلاب والانتهاكات. لكنه يفسر إخفاق سنوات التدخل في بناء سلطة أكثر تماسكًا في المناطق الخارجة عن سيطرة الجماعة. ففي لحظات كثيرة، اقترب اليمن من نموذج الدولة المنقسمة بين جيوش متعددة وسلطات متنازعة، على نحو يذكّر بما صار إليه السودان لاحقًا. ومع اتساع نفوذ التشكيلات المحلية المدعومة إماراتيًا وتراجع سلطة الحكومة المعترف بها دوليًا، أدركت السعودية أن استمرار هذا المسار قد ينتهي بفقدان أي سلطة مركزية يمكن الرهان عليها في اليمن. تحركت الرياض، ولو متأخرة، لإعادة ضبط بعض التوازنات والحد من اندفاع المشروع الإماراتي، لا لإنهائه بالكامل؛ فالقوات والشبكات التي نشأت خلال سنوات النفوذ الإماراتي تركت أثرًا يتجاوز الوجود العسكري المباشر.
الأخطر من دعم القوى المحلية المسلحة انتقال الدور الإماراتي في أكثر من ساحة إلى خصخصة العنف. الأمر تجاوز تمويل حليف محلي أو دعم فصيل سياسي؛ إذ ظهر استخدام متكرر لشركات أمنية، ومتعهدين عسكريين، ومقاتلين مأجورين، وشبكات اغتيال أو تدريب تعمل خارج الرقابة التقليدية للدول.
في اليمن، كشفت قضية شركة Spear Operations Group عن اتهامات بوجود برنامج اغتيالات نفذه متعاقدون عسكريون أمريكيون سابقون لصالح الإمارات. عادت القضية إلى الواجهة عبر دعوى قضائية تحدثت عن حملة قتل مأجورة ممولة إماراتيًا، فيما وضعت أبوظبي الأمر في سياق مكافحة الإرهاب. مجرد ظهور هذا النمط يكشف مستوى خطيرًا من تحويل الحرب إلى سوق خدمات قاتلة.
في ليبيا، اتخذ الدعم الإماراتي شكلًا عسكريًا أوضح عبر مساندة خليفة حفتر، في بيئة اختلط فيها السلاح بالمرتزقة والتدخلات الخارجية. تقاطع هذا الدعم مع حضور فاغنر الروسية في الشرق الليبي، ومع استمرار خرق حظر السلاح الأممي، بما ساعد على عسكرة الصراع وإطالة الانقسام بين الشرق والغرب. وحتى مع غياب أدلة كافية لإثبات سلسلة قيادة مباشرة بين أبوظبي وفاغنر، يبقى الثابت أن المعسكر الخارجي الداعم لحفتر أسهم في إضعاف فرص التسوية السياسية. كما كشفت رويترز في 2026 عن حصول قوات حفتر على مسيّرات قتالية رغم الحظر الأممي.
وفي السودان، ظهر نموذج خصخصة العنف بصورة أوضح مع ملف المقاتلين الكولومبيين وشركة Global Security Services Group. مقاتلون أجانب، تدريب، نقل، وارتباط بقوة متهمة بارتكاب فظائع في دارفور والفاشر. هنا يتحول المدنيون إلى ضحايا لحرب لا تديرها الأطراف المحلية وحدها، بل تشارك فيها شبكات أوسع من المال والسلاح والخبرة العسكرية المستأجرة.
في اليمن ظهرت شركات اغتيال ومرافق احتجاز خارجة عن القانون. في ليبيا تقاطع دعم حفتر مع فاغنر وشبكات السلاح. وفي السودان ظهرت شركات أمنية ومقاتلون كولومبيون ومسارات إمداد جوية. وفي كل مرة كان المدنيون يدفعون الثمن الأكبر: قتل، نزوح، خوف، انهيار خدمات، ومجتمعات ممزقة بين سلطات لا تخضع للمساءلة.
أما في سوريا، فسلكت الإمارات طريقًا مختلفًا. راهنت مبكرًا على إعادة تأهيل نظام الأسد عربيًا، وفتحت سفارتها في دمشق عام 2018، ثم واصلت مسار الانفتاح عليه قبل سقوطه. كان الرهان الإماراتي يقوم على أن بقاء السلطة القائمة أقل كلفة من انتقال سياسي مفتوح. لكن سقوط الأسد في ديسمبر 2024 كشف حدود هذه المقاربة؛ فالسلطة التي جرى التعامل معها بوصفها ضمانة للاستقرار لم تستطع حماية نفسها ولا إخراج البلاد من الانهيار. ومع أن سوريا الجديدة تواجه تحديات هائلة، فإن سقوط النظام أظهر أن إرادة التغيير كانت أعمق من محاولات الاحتواء وإعادة التأهيل.
خلف هذه الساحات يظهر هدف أكثر اتساقًا: السيطرة على الموانئ وخطوط الملاحة وبناء نفوذ بحري ممتد من البحر الأحمر إلى بحر العرب والخليج. لهذا يبرز الاهتمام الإماراتي المتكرر بالمرافئ والجزر والسواحل: بربرة، عدن، المخا، سقطرى، ومداخل باب المندب وخليج عدن. هذه المواقع ليست مجرد نقاط تجارية؛ إنها مفاتيح نفوذ في واحد من أكثر المجالات البحرية حساسية في العالم.
وفي هذا السياق، لا تبدو العلاقة مع إسرائيل مجرد تطبيع دبلوماسي. الاتفاقات الإبراهيمية فتحت أمام إسرائيل ممرًا أوسع إلى المجال العربي، بينما وجدت الإمارات في هذا التحالف غطاءً إضافيًا لمشروعها الإقليمي القائم على النفوذ البحري، والتنسيق الأمني، والتحكم بالممرات الاستراتيجية، وبناء شبكة مصالح تتجاوز حدودها الطبيعية وحجمها الجغرافي.
تستدعي التجربة الإماراتية، في بعض وجوهها، نموذجًا إسبرطيًا بحريًا معاصرًا: دولة محدودة الحجم، عالية الطموح الأمني، تعوض ضيق العمق الديموغرافي بالتحالفات والموانئ والقواعد والشبكات الأمنية.
وكما سعت إسبرطة القديمة إلى تثبيت نفوذها عبر القوة والانضباط العسكري لا عبر مشروع مدني جاذب، تتحرك أبوظبي في الإقليم عبر أدوات القوة الصلبة والمال الأمني: تشكيلات مسلحة، شركات أمنية، نفوذ بحري، وعلاقات وظيفية مع القوى الكبرى وإسرائيل. الفارق أن إسبرطة تحركت داخل فضاء يوناني محدود، بينما تتحرك الإمارات في فضاء عربي وإفريقي أوسع، مستفيدة من هشاشة الدول والحروب المفتوحة والممرات البحرية الحساسة.
ولهذا لا تبدو الإمارات في هذه الساحات قوة ذات مشروع سياسي جامع بقدر ما تبدو قوة أمنية-بحرية تبني نفوذها من داخل الشقوق: ميناء مضطرب، دولة منهكة، سلطة منقسمة، أو ميليشيا تبحث عن ممول وحماية. وفي كل مرة تقريبًا، يتسع نفوذ الوكلاء بينما تضيق مساحة الدولة نفسها.
تتراكم النتائج على نحو يصعب تجاهله: السودان أكثر تمزقًا، اليمن أكثر انقسامًا، الصومال أكثر عرضة لتجاوز دولته المركزية، ليبيا أبعد عن التسوية، وسوريا مثقلة بإرث الأسد. في كل هذه الساحات يظهر الوعد نفسه تقريبًا: الاستقرار، مكافحة الفوضى، حماية المصالح، أو إعادة الدولة. وتنتهي الوقائع غالبًا إلى دولة أقل قدرة على الإمساك بقرارها، ومجتمع يدفع ثمن صراعات تتجاوز حدوده.
في المحصلة، تتحرك الإمارات داخل شقوق الدول المنهكة: ميناء حساس، تشكيل مسلح يبحث عن غطاء، سلطة معزولة تريد العودة، أو كيان يبحث عن اعتراف. هناك يتقدم النفوذ الإماراتي بوصفه قوة تفتيت وإعادة وصل؛ تفتيت للدول القائمة، وإعادة وصل لشظاياها بخرائط نفوذ خارجية تخدم أبوظبي وتفتح المجال العربي أمام مصالح إسرائيلية أوسع.