مقالات
السياسة التربوية والتعبوية للحوثيين.. سوسيولوجيا إعادة تشكيل الوعي والهوية (1-5)
- مقدمة السلسلة: التعليم بوصفه ساحة لإعادة تشكيل الوعي.
في علم الاجتماع السياسي لا تُفهم المدرسة بوصفها فضاءً محايداً لنقل المعرفة... بل باعتبارها إحدى أهم مؤسسات إنتاج المعنى وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.. فهي الموقع الذي تتقاطع فيه السلطة بالثقافة والمعرفة بالانتماء، حيث يتم صياغة علاقة الفرد بذاته ومجتمعه ووطنه... ومن هذا المنظور؛ يصبح التعليم مجالاً حاسما في أي مشروع يسعى إلى إعادة ترتيب البنية الاجتماعية، سواء عبر ترسيخ قيم جامعة أو عبر إعادة تعريفها وفق رؤى أيديولوجية محددة. وقد تناول مفكرون مثل Michel Foucault وLouis Althusser هذه العلاقة، مبرزين كيف تتحول المؤسسات التعليمية إلى أدوت لإنتاج الامتثال واعادة انتاج علاقات القوة.
في السياق اليمني...يكتسب هذا الطرح أهمية مضاعفة في ظل التحولات التي فرضها الصراع وتفكك البنية المؤسسية للدولة... فمع تعدد السلطات وتآكل الوظيفة التقليدية للمؤسسات العامة، لم تعد المدرسة بمنأى عن عمليات التسييس وإعادة التوظيف، بل اصبحت إحدى الساحات المركزية التي يجري عبرها تشكيل الوعي وإعادة تعريف مفاهيم مثل الوطنيةوالانتماء والشرعية...الخ.
وتسعى هذه السلسلة على( خمس حلقات) إلى تحليل السياسة التربوية والتعبوية التي تنتهجها جماعة الحوثيين في مناطق سيطرتها ليس بوصفها إجراءات تعليمية منفصلة، بل باعتبارها جزءا من مشروع أوسع لإعادة هندسة المجال الاجتماعي..ويظهر ذلك من خلال جملة من الممارسات التي تشير إلى تحول نوعي في وظيفة التعليم، من بينها إعادة صياغة المناهج الدراسية، وإدخال أنماط من الطقوس والأنشطة ذات الطابع التعبوي داخل البيئة المدرسية، إلى جانب إعادة تعريف أدوار الفاعلين التربويين بما يتجاوز الوظيفة التعليمية التقليدية.
لا تتبنى هذه السلسلة مقاربة توصيفية سطحية أو خطابا تقريرياً مباشراً بل تنطلق من تحليل سوسيولوجي يركز على البُنى والآليات.. كيف تُعاد صياغة المعنى داخل المناهج؟ وكيف تتحول الطقوس اليومية إلى أدوات لضبط السلوك؟ وكيف يتم اعادة تشكيل دور المعلم ضمن هذا السياق؟ والأهم من ذلك ما هي الآثار بعيدة المدى لهذه التحولات على التربية الوطنية والنسيج الاجتماعي؟
نحاول جاهدين بأن ما نطرح هنا لا ينحصر في نقد ممارسة بعينها، بل يسعى إلى فهم ديناميكيات أعمق تتعلق بكيفية استخدام التعليم كأداة لإعادة تشكيل المجتمع.. وتفكيك سؤال جوهري يطرح كيف تتحول المدرسة إلى فضاء لإعادة إنتاج هوية محددة، فإن آثار ذلك لا تتوقف عند حدود الجيل الحالي بل تمتد لتطال بنية المجتمع ومستقبله.
وبالتالي فإن هذه السلسلة مجرد محاولة لقراءة هذه التحولات قراءة تحليلية رصينة تنطلق من أدوات علم الاجتماع السياسي، وتسعى إلى الإسهام في نقاش أوسع حول العلاقة بين التعليم والسلطة في السياقات الهشة لعلها تستفز الباحثين والمهتمين من المتخصصين والأكاديميين لدراسة هذه الحالة المقلقلة.
الحلقة الأولى: أدلجة الفضاء المدرسي في اليمن.. المؤسسة التعليمية تحت التحول .
(١-٥)
تعد المدرسة في الأدبيات السوسيولوجية إحدى أهم مؤسسات إعادة إنتاج القيم والمعايير، حيث لا يقتصر دورها على نقل المعرفة، بل يمتد إلى تشكيل الوعي الجمعي وبناء الهوية الوطنية. ومن هذا المنظور، تصبح العملية التعليمية جزءًا من بنية أوسع تتداخل فيها السلطة والثقافة والسياسة، وفق ما عبّر عنه مفكرون مثل Michel Foucault في تحليله لعلاقة المعرفة بالسلطة، وLouis Althusser في حديثه عن أجهزة الدولة الأيديولوجية.
في الحالة اليمنية لا يمكن قراءة التحولات التي طرأت على المؤسسة التعليمية بمعزل عن حالة الانقسام السياسي والصراع الممتد، حيث أدّت هشاشة الدولة وتعدد مراكز النفوذ إلى إعادة تشكيل وظائف المؤسسات، وعلى رأسها المدرسة. وضمن هذا الواقع، يبرز نمط من التحول يتجاوز تدهور البنية التعليمية إلى ما يمكن تسميته بـ“أدلجة الفضاء المدرسي”، أي تحويل المدرسة من فضاء تعليمي وطني جامع إلى أداة لإعادة صياغة الوعي والانتماء.
وعليه، يطرح هذا المقال سؤالًا مركزيًا: كيف يتم توظيف المدرسة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي ضمن مشروع أوسع للهندسة الاجتماعية؟
- أولًا: تغيير المناهج كإعادة ترميز للوعي
لا تمثل المناهج الدراسية مجرد أدوات لنقل المعرفة، بل تُعد نظامًا رمزيًا يعكس تصورًا معينًا للعالم، ويعيد إنتاجه في أذهان المتعلمين. ومن هذا المنطلق؛ فإن أي تعديل في المحتوى التعليمي لا يمكن اعتباره محايدًا، بل هو بالضرورة فعلٌ سيميائي يعيد ترتيب المعاني والمرجعيات.
تشير التحولات في المناهج اليمنية " ما وقع تحت يدي على الأقل في مناهج التعليم الاساسي طبعة ٢٠٢٠_٢٠٢٥" كتب الاسلامية والتاريخ والقراءة ...إلى نزعة لإعادة صياغة مفاهيم أساسية مثل التاريخ، والهوية، والانتماء بحيث يتم إدراج سرديات محددة تعيد تعريف “الذات الجماعية” في مقابل (الآخر).. ويظهر ذلك في التركيز على رموز وشخصيات وسرديات بعينها، بما يخلق بنية دلالية تعيد توجيه إدراك الطالب للعالم من حوله.
في هذا السياق.. تتحول الوطنية من مفهوم مدني جامع يرتبط بالدولة ومؤسساتها، إلى تصور أكثر ضيقا يرتبط بالجماعة أو الاصطفاف الأيديولوجي... وهنا يغدو التحكم بالمناهج تحكماً بالمستقبل الرمزي للمجتمع نظراًلما تلعبه من دور في تشكيل أطر التفكير والإدراك لدى الأجيال الناشئة.
- ثانيًا: الطقوس المدرسية كأدوات لضبط الجسد والوعي
لا تقتصر عملية التنشئة داخل المدرسة على المحتوى المعرفي..بل تشمل أيضا مجموعة من الطقوس اليومية التي تمارس بشكل منتظممثل الأناشيد " الزوامل" والشعارات والفعاليات الجماعية. وتكتسب هذه الطقوس أهمية خاصة من منظور سوسيولوجي، إذ تعمل كآليات لضبط السلوك وتشكيل الانضباط الجماعي.
وفقًا لرؤية Michel Foucault، فإن السلطة الحديثة لا تعمل فقط عبر القمع المباشر، بل من خلال تنظيم الأجساد وتطبيع السلوك عبر ممارسات يومية متكررة.. وفي هذا الإطار يمكن فهم الطقوس المدرسية بوصفها أدوات لإنتاج الامتثال، حيث يتحول التكرار إلى وسيلة لترسيخ القيم وتحويلها إلى قناعات داخلية.
إن الفعل الرمزي حين يُعاد إنتاجه بشكل يومي في بيئة جماعية سواءا المدارس الحكومية أو التعليم الأهلي ، يكتسب قوة تتجاوز حدود الإقناع العقلي ليصبح جزءا من البنية النفسية للفرد.. وهكذا تسهم الطقوس في نقل الأيديولوجيا من مستوى الخطاب إلى مستوى الممارسة المعاشة.
- ثالثاً: إضعاف المعلم وإعادة تشكيل الفاعل التربوي
يمثل المعلم في النموذج التربوي التقليدي فاعل مهن يمتلك قدر من الاستقلالية في نقل المعرفة وتنمية التفكير النقدي... غير أن التحولات التي يشهدها الفضاء المدرسي تشير إلى إعادة تعريف هذا الدور بحيث يتم تهميش المعلم لصالح فاعلين جدد يحملون وظائف توجيهية ذات طابع أيديولوجي.
يرتبط هذا التحول بعدة عوامل، من بينها الضغوط الاقتصادية وتآكل المكانة الاجتماعية للمعلم.. إضافة إلى تدخلات تنظيمية تحد من استقلاليته داخل الصف.. وفي المقابل يبرز دور “المشرف” أو “الموجه” الذي لا يقتصر عمله على الجوانب التعليمية بل يمتد إلى الإشراف على الخطاب والقيم المتداولة داخل البيئة المدرسية.
ويترتب على ذلك تحول في طبيعة العلاقة الصفية حيث يتراجع التعليم النقدي القائم على الحوار لصالح نمط من التلقين الموجه. وفي هذا السياق...يفقد المعلم دوره كوسيط معرفي مستقل لتصبح العملية التعليمية أكثر ارتباط بإعادة إنتاج خطاب محدد.
- رابعاً: المدرسة كأداة في مشروع الهندسة الاجتماعية
لا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن سياق أوسع، حيث تتكامل التغيرات في المناهج والطقوس والأدوار التربوية ضمن مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية. وهنا تبرز المدرسة بوصفها أحد أهم “أجهزة الدولة الأيديولوجية”، وفق تصور Louis Althusser، التي تعمل على إنتاج الامتثال وإعادة إنتاج علاقات القوة.
وبالتالي فإن المدرسة لا تعكس المجتمع فحسب، بل تسهم في إعادة تشكيله عبر غرس منظومة قيمية محددة تعيد ترتيب الأولويات وتحدد أنماط الانتماء والولاء... كما يصبح التعليم مدخل لمسارات أوسع من التعبئة الاجتماعية، حيث تتقاطع العملية التربوية مع مجالات ثقافية واجتماعية أخرى.
وعليه...فإن ما يجري داخل الفضاء المدرسي يتجاوز حدود التعليم بالمعنى الضيق ليشكل جزءا من عملية أعمق لإعادة صياغة الفرد والمجتمع على حد سواء.
وهكذا تكشف قراءة التحولات التي طرأت على المؤسسة التعليمية في اليمن عن انتقال نوعي في وظيفة المدرسة من فضاء وطني جامع إلى أداة لإنتاج خطاب أيديولوجي وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.. ولا تكمن خطورة هذا التحول في آثاره المباشرة فحسب، بل في طابعه التراكمي الذي يعيد تشكيل الأجيال القادمة على مستوى الإدراك والانتماء.
إن فهم هذه الديناميكيات يتطلب مقاربة سوسيولوجية تتجاوز الوصف الظاهري إلى تحليل البنى العميقة التي تحكم العلاقة بين التعليم والسلطة..وفي هذا السياق يظل السؤال المطروح على لسان أخصائيو التربية وعلماء الاجتماع والتربيون بشكل عام ماذا يحدث عندما يعاد تعريف دور المعلم داخل هذا النظام، وكيف يؤثر ذلك على مستقبل العملية التعليمية برمتها؟
وهو السؤال الذي سنحاول الإجابة عليه في الحلقة الثانية من هذه السلسلة (من المعلم إلى المعبّئ..تحولات الدور التربوي في سياق التسييس)