مقالات

الرؤية الرومانسية للمصير...!

27/04/2024, 16:06:04

في مطلع القرن العشرين، انتشر المذهب الوجودي في الوطن العربي، قادماً من الغرب، وخاصة أوروبا، مثله مثل الكثير من مذاهب الأدب والفكر والفن، التي سبقته، ووجد قلوباً وعقولاً وصدى واسعاً، وخاصة لدى عدد من الشعراء الشباب الذين تأثروا بكثير من المذاهب السابقة أيضاً، ولكن عدداً منهم استهوته الوجودية والقلق الوجودي وتساؤلاته عن المصير الإنساني، وعن الحياة والموت، وعن العدم والخلود، وما بعد الموت، وعن الحياة عموماً إن كانت عبثية، أو لقوانين مصيرية.

ومع أن الكثير من الشعراء كانوا دعاة وطنية وثورة، الذين صادفوا زمن دعوات التحرر من الاستعمار بكل فئاته وأنواعه ومسمياته وألوانه، لكنهم وجدوا في المذهب الوجودي صدى خاصاً في نفوسهم يعبّر عن أوجاعهم وتساؤلاتهم وقلقهم الوجودي، وطريقة تفكيرهم وتمزّقهم الذاتي مما يحيط بهم من هموم عامة وخاصة.

ولعل دراسة عميقة لمثل هذا الموضوع الذي كان جديراً بالبحث والدراسة، وأقصد به "الرؤية الرومانسية للمصير لدى الشاعر العربي الحديث"، فهناك المجال واسع لدراسة هذا النوع من الشعر، الذي ارتبط بالمصير الإنساني، والتعرف على وجود رومانسيته باعتبار الموت أحياناً يكون ملاذاً آمناً أكثر من الحياة، وهو ما أثبتته الحروب والصراعات والأمراض اليوم، وكما قال المتنبي: كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكُنَّ أمانيا.

ولم يعد الموت مقتصراً على الشعراء، بل قد تجاوزه إلى الجميع، الذي نجح الغرب في إعادة تصديره بواسطة الحروب المباشرة، أو غير المباشرة، وسواء من خلال العدوان الخارجي أو العدوان الداخلي، وتغذية الانقسامات  بين أبناء الشعب الواحد على مستوى الدولة، أو على مستوى الوطن العربي عامةً؛ لأسباب طائفية، أو مناطقية، أو مذهبية، وصراعات على السلطة والثروة.

والرؤية الرومانسية للمصير الإنساني بقدر ما كانت  خصوصية لدى بعض الشعراء، الذين امتلكوا مواهب رفيعة وكبيرة، وأجساداً أصابها الإعياء والتعب والمرض، أو مزق قلوبهم الحب المبكر والخواء العاطفي، أو ما يسمى بالجوع العاطفي، وتمزق الذات من جراء التساؤلات الوجودية الكبيرة، مما أدى بهم إلى القلق الوجودي عامةً، وكان على رأس هؤلاء الشعراء، الذين عاشوا سنوات محدودة وقُصفتْ أعمارهم في سنوات مبكرة جداً، أبو القاسم الشابي، أحد أهم هؤلاء الشعراء؛ باعتبار تأثيره الشعري العابر للوطن العربي كله عن 25 سنة أو أقل، وكان أكبرهم بدر شاكر السياب الذي مات عن 38 سنة بالضبط بسبب مرض لا شفاء منه.

أحدث هذان الاثنان تأثيراً كبيراً على حركة الشعر وحركات التحرر الوطني، وبالنسبة للسياب فقد كان تأثيره فنياً كبيراً أيضا على حركة الشعر العربي عموماً من خلال تجربته في خوض غمار الشعر الحر، وشعر التفعيلة، وكان إلى جانبه في أحداث التأثير الفني نازك الملائكة، وعلي أحمد با كثير، الذي تجاهله المؤرخون لأسباب ليست خافية على أحد.

ولم يكن السودان بعيداً عن هذه التأثيرات، حيث كان أهم الشعراء، الذين رحلوا مبكراً وأحدثت تجاربهم الشعرية انفعالاً كبيراً على مستوى الوطن العربي، الشاعر التيجاني يوسف بشير والشاعر الذي جُن قبل موته إدريس جمَّاع، وهذا الشاعر له ققص طريفة مع كثير من الحسان اللواتي تغزل بهن، وخاصة في لندن.

أما في مصر، فكان صالح الهمشري وصالح الشرنوبي ومحمد رضا، وكل هؤلاء ماتوا بالرئة أو بالقلب، وتم تجاهل الشاعر هاشم الرفاعي صاحب قصيدة "رسالة في ليلة التنفيذ"، التي تمجد تضحيات الإخوان المسلمين، وكذلك قصيدة مشهورة بعنوان "أرملة شهيد تهدهد طفلها"، والغريب أنه مات في عراك، وهو يلعب  كرة قدم، وله ديوان كبير وضخم. 

أما في لبنان وسوريا، فقد كان فوزي المعلوف، وفي الثانية الشاعر عبد السلام "عيونه سود"، من أهم شعراء التجربة الكبيرة المبكرة.

كانت تجربة هذا العدد من الشعراء مميزة وكبيرة من حيث مستواها الشعوري والوجداني واللغوي، وكلك الوجودي موضوع البحث، ولم يكن المبدعون العرب بعيدين عن التأثيرات القادمة من الشرق والغرب، كما هو الحال اليوم، في الوقت الذي تحول العالم إلى كبسولة، أو فلاش تضعها في جيبك.

وقد نرجّح أن أنضج تجربتين هما تجربة السياب والشابيّ، رغم بعض الاختلافات الفنية بينهما:

يا موت قد مزَّقت صدري.. ماذا تبتغي مني وقد مزَّقت صدري. جفَّ سحرُ الحياةِ يا قلبي الباكي.. فهيا نُجرِّب الموت هيَّا. 

وكل الشعراء الشباب، الذين ماتوا دون الثلاثين ماعدا السياب، تردد صدى الموت والوجود والقلق في كل قصائدهم، وبطون دواوينهم المترعة بكوؤس بهيجة من عرائس الشعر المسكر.

وكان البردوني يوماً قد قرأتُ له إشادة كبيرة بأهم شاعرين من العصر الحديث، ومن العصر الجاهلي، وأنهما بلغا رأس الحكمة، وكأنهما في عمر الكهولة، وهما أبو القاسم الشابي، والشاعر طرفة بن العبد، صاحب الدالية المشهورة، الذي مات في العشرين:

وظلمُ ذوي القُربى أشد مضاضةً .. على المرء من وقع الحسام المُهنَّدِ

مقالات

حكاية البنت العمياء سعيدة (2-2)

في العصر الذّهبي للحَمير، كان الحمَّارة نجوم القُرى ونجوم الغناء، وكانوا عند مرورهم بالقُرى، أو عند اقترابهم من الينابيع والآبار، حيث تتجمع النساء والصبايا، يغنون ليلفتوا انتباههن

مقالات

كلمة عن الصداقة والصديق

" الصديق هو أنت؛ لكنه بالشخص غيرك" أعتقد أن أرسطو نجح في قول عبارة مكثّفة تُلخِّص جوهر هذا المفهوم. الصداقة والصديق. كما أنّه ليس أمرًا هامشيًا أن تُشتّق الصداقة من " الصدق" ذلك أن أول شروط الصداقة، هو أن تكون مع الأخر كما أنت مع نفسك. وإن كان الأمر مستحيلًا، أن تكون معه كما أنت مع نفسك تمامًا؛ فيكفي ألا تخشى شيئًا وأنت مع هذا الأخر الذي ترقى علاقتك به ليكون صديقًا.

مقالات

حكاية البنت العمياء "سعيدِة" (1-2)

كان من سُوء حظ البنت سعيدة أنها وُلدت عمياء؛ كانت العمياء الوحيدة في القرية، لكنها وهي طفلة لم تكن تكترث بعماها، فقد كانت لديها مواهب تعوّضها عن فقدان بصرها، وكانت ذكية وتتمتع بذاكرة قوية، وكانت بقية حواسها حادة وشديدة الحساسية؛ تسمع أصواتا لا يسمعها غيرها من الأطفال، وتشم روائح لا يشمونها، وتحفظ أغانيَ وحكاياتٍ لا يحفظونها، وكان لها صوتٌ حُلوٌ وعذب يُلفِتُ الانتباه إليها.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.