مقالات

الدعاية الحوثية: من اليمن الجائع إلى حكم العالم

31/07/2026, 15:58:50

لا شيء يدعو إلى السخرية من مشهد كادرٍ طبي يعدهم الحوثي بأنهم سيكونون حكام عسير وجيزان. فالدعاية لها جذر حقيقي في اطماع الجماعة وتدغدغ أحلام البائسين وتعزز لديهم إحساسهم بالمظلومية.

دعونا ننظر إلى الحكاية من زاوية أخرى، ونتأمل هذه المفارقات.

تقول المؤسسات الدولية إن متوسط دخل الفرد في اليمن يتراوح بين 380 و420 دولارًا في العام، أي أقل من دولار ونصف يوميًا. وبأسعار صنعاء، فإن ما يعادل دخل الفرد اليومي لا يتجاوز ألف ريال يمني تقريبًا، وهو مبلغ لا يكاد يغطي ثمن وجبة واحدة أو شراء طبق بيض (1200 ريال) ولا دجاجة مذبوحة (3000 ألف ريال).

كما تؤكد الأمم المتحدة أن اليمن يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وأن نحو 18 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي.

أما الوضع الصحي، فهو أسوأ بكثير مما تعكسه الأرقام المعلنة. فاللقاحات تعاني نقصًا حادًا، وارتفعت معدلات وفيات الرضع والأطفال، وعادت أمراض قاتلة للأطفال كانت قد انحسرت، ومنها شلل الأطفال، في ظل انهيار أجزاء واسعة من المنظومة الصحية.

أمام هذا القدر من الفقر والبؤس، يقدم الحوثي دعاية من نوع مختلف؛ يعد أتباعه باقتحام البلدان الثرية، ومقارعة الولايات المتحدة، ثم اقتسام الثروات والموارد، والسيطرة على عوائد الممرات البحرية ومضيق باب المندب.

يرد في كتاب الدكتور علي محمد زيد عن دولة الهادي معنى بالغ الدلالة، يشرح كيف التقت فكرة الإمامة (الدينية السياسية)، التي كانت ترى في اليمن منصة للانطلاق نحو حكم العالم الإسلامي واسترداد الحق المنتزع، مع قبائل مقاتلة وفقيرة تواقة للمجد. وكان ذلك اللقاء، بحسب قراءته، تحولًا عميقًا ترك أثره في البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية والمعيشية لليمنيين لقرون طويلة.

وخلاصة الفكرة هي أن مشروعًا دينيًا سياسيًا طموحًا التقى بمجتمع مقاتل وفقير، فمنحه حلمًا يتجاوز واقعه، ويعده بحكم العالم الإسلامي.

وما يفعله الحوثي اليوم ليس بعيدًا عن هذا النموذج؛ فهو يمنح أفرادًا بائسين حلمًا يتجاوز حدود اليمن، ويعدهم بالوصول إلى السعودية حيث الثروة، ثم بما وراء السعودية من نفوذ وتأثير ومواجهة مع العالم.

لهذا، فإن هذه الدعاية ليست مادة للسخرية، بل قنبلة فكرية ينبغي فهمها قبل الاستخفاف بها.

ويذكر عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي أنه، في إحدى جولات الصراع مع الحوثيين، جاءه بعضهم وقالوا: "مشروعنا هو حكم اليمن، فكن معنا."

ومضى الوقت، فسيطروا على نصف اليمن. ولولا تدخل عسكري عربي لاكتملت سيطرتهم على كل اليمن. 

واليوم لم يعد خطابهم يقف عند حدود اليمن، بل صار يعد الاتباع بحكم بلاد أوسع من خريطة اليمن، ويستحضرون مكة بوصفها جزءًا من هذا الطموح وقلب الهدف. 

لن تتوقف مشاريعهم عند حدود أي خريطة أو أي تسوية سلمية.

لنتوقف عند هذه الدعاية التي تهرب بأتباعها من صراع محلي معقد إلى صراع كوني أوسع، يكبر فيه المقاتل، ويستسيغ الوهم، ويستمرئ القتال. 
عودوا إلى زواملهم وأهازيجهم، وستجدون كيف يصورون الأسر الحاكمة في الدول المجاورة بأنها لا تستحق الحكم، وأن السلطة يجب أن تعود إليهم. كما يقدمون أنفسهم أوصياء على الأماكن المقدسة، ويصورون أن إدارتها حق لا يليق إلا بهم.

إن شهية الحوثي أكبر مما تسمح به سخريتنا، وأوسع مما نتخيله ضمن حدود المعقول واللامعقول.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*  عن صفحة الكاتب في إكس

مقالات

خطاب الشرعية ومشروع الحسم

لم تعد الأزمة اليمنية تحتمل القراءة التقليدية التي تضعها في خانة الصراع المفتوح أو الحرب المتعثرة فقط. لماذا؟ لأن المشهد اليوم أعمق من ذلك بكثير، فنحن كشعب وقيادات أمام لحظة تاريخية تتقاطع فيها السياسة مع الأمن الذي يجب، والاقتصاد مع الشرعية المفككة، والجغرافيا الملعونة مع الإقليم الطامع والتائه، بحيث يصبح أي حديث عن الاستقرار أو السلام أو الاستعادة الوطنية حديث ناقص ما لم ينطلق من إدراك أن الدولة نفسها هي موضوع المعركة، وليست مجرد طرف فيها.

مقالات

هل هي رسائل ردع أم بداية حرب؟

أحيانًا لا يكون الحدث هو ما يستحق القراءة، بل ما يكشفه من تحولات كانت تنمو بصمت منذ سنوات. فالتاريخ لا يتغير دائمًا بالانفجارات الكبرى، بل قد يتغير بضربة محدودة، تكشف أن مرحلة كاملة قد انتهت، وأن مرحلة أخرى بدأت تتشكل.

مقالات

الحكومة وفضيحة الابتعاث

تفجرت منذ أيام قنبلة فضيحة مالية وإدارية ما تزال شظاياها تتناثر في المجتمع اليمني، وأحدثت ضجة وتفاعلًا كبيرين، لا يقلان عما أثاره استعداد حماس للمعركة إثر التصعيد الأخير. وما زالت تفاعلات هذه الفضيحة تتوسع، وتغطي صفحات فيسبوك، مع وعود بنشر وثائق جديدة، ومع هذا لا يوجد أي تعليق واحد من هذه الحكومة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.