مقالات
الانشقاق ليس صك غفران سياسي
في الحروب الطويلة لا تتغير الجبهات وحدها، بل تتغير معها المواقف والتحالفات والولاءات. وقد يجد أشخاص كانوا جزءًا من مشروع ما أنفسهم، بعد سنوات، في صفوف خصومه. وهذه ليست ظاهرة يمنية خالصة، بل عرفتها تجارب كثيرة عبر التاريخ.
لكن المشكلة لا تبدأ عندما يراجع الإنسان موقفه، بل عندما يتحول مجرد تغيير الموقع إلى شهادة وطنية، وإلى مبرر لمحو الماضي وإعادة تقديم بعض الفاعلين باعتبارهم أبطالًا دون مراجعة أو مساءلة.
إن خروج أي شخص من صف الحوثيين ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لأن إضعاف المشروع الانقلابي يصب في مصلحة الدولة اليمنية، وكل من يغادر هذا المشروع يقلل من مساحة نفوذه ويضعف قدرته على الاستمرار.
غير أن الترحيب بالانشقاق شيء، وتحويله إلى صك غفران سياسي شيء آخر تمامًا.
فهناك فرق كبير بين استقبال المراجعة، وبين إعادة كتابة التاريخ.
لقد ساهمت شخصيات قبلية وعسكرية وسياسية وإدارية، بدرجات متفاوتة، في تهيئة الظروف التي مكّنت الحوثيين من التمدد، سواء بدافع الخصومات السياسية، أو الحسابات الشخصية، أو الرهانات الخاطئة، أو الاعتقاد بإمكانية التفاهم معهم. وكانت النتيجة إضعاف الدولة، وتعزيز الانقلاب، وإطالة أمد الحرب، وتعميق معاناة اليمنيين.
ومن حق أي من هؤلاء أن يراجع موقفه، بل إن مراجعة الخطأ تظل خيرًا من الإصرار عليه.
لكن من حق المجتمع أيضًا ألا يُطلب منه أن ينسى.
فالمراجعة الحقيقية ليست بيانًا صحفيًا، ولا مقابلة تلفزيونية، ولا إعلان انشقاق، وإنما تبدأ بالاعتراف بالدور الذي أُدي في خدمة المشروع، ثم بتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عنه، ثم بالعمل الجاد على إصلاح ما أمكن إصلاحه من آثاره.
ولهذا فإن الوطنية لا تُقاس بمجرد تغيير الموقع، ولا بحجم الخلاف مع الحوثيين بعد الانشقاق، وإنما بالموقف منهم حين كانوا يتمددون على حساب الدولة.
ومن هنا يصبح من الخطأ أن يتحول الانشقاق وحده إلى بوابة تلقائية للنفوذ أو السلاح أو الجغرافيا، فينتقل بعض من أسهموا، بدرجات متفاوتة، في تمكين الانقلاب من موقع الشراكة في صناعته إلى إدارة مناطق نفوذ جديدة تُدار بأسمائهم، في الساحل أو الجبل أو الصحراء، من غير مراجعة صريحة لدورهم السابق أو تحمل لمسؤولياتهم تجاهه.
فذلك لا يخدم بناء الدولة، بل يعيد إنتاج المشكلة بأسماء مختلفة. لأن الأوطان لا تُستعاد باستبدال مراكز نفوذ بأخرى، وإنما باستعادة سلطة الدولة وسيادة القانون، ووضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الشخصية والفئوية.
لقد دفع اليمن ثمنًا باهظًا نتيجة الرهانات الخاطئة، والتحالفات الانتهازية، والحسابات الضيقة، ولذلك فإن أقل ما يستحقه اليمنيون اليوم هو ألا يُطلب منهم نسيان الماضي كلما تبدلت مواقع بعض الفاعلين أو تغيرت مصالحهم.
إن الدولة لا تُبنى على الانتقام، لكنها لا تُبنى كذلك على النسيان.
فمن يراجع موقفه ينبغي أن يجد بابًا مفتوحًا للمشاركة في استعادة الدولة، لكن ذلك لا يعني إعفاءه من مسؤوليته عن الدور الذي سبق أن أداه في إضعافها. فالفرق كبير بين منح الإنسان فرصة جديدة، ومنحه تاريخًا جديدًا.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع بعد الحروب ليس كثرة المنشقين، بل غياب المعايير.
فعندما يصبح معيار البطولة هو آخر موقف فقط، تُمحى سنوات كاملة من المسؤولية. وعندما يصبح معيار الإدانة هو الماضي وحده، تُغلق أبواب المراجعة والتصحيح.
ولهذا فإن العدالة السياسية تقتضي الجمع بين الأمرين معًا: الترحيب بالمراجعة، وعدم إسقاط المسؤولية.
فمن يراجع موقفه يستحق أن يُمنح فرصة للمشاركة في إصلاح ما أفسده، لكنه لا يستحق أن يُمنح حق إعادة كتابة تاريخه أو مطالبة المجتمع بنسيان دوره السابق.
إن الأوطان لا تُبنى على الثأر، لكنها أيضًا لا تُبنى على محو الذاكرة.
ولا يمكن لدولة تسعى إلى استعادة نفسها أن تجعل الانشقاق وحده معيارًا للوطنية، كما لا يجوز لها أن تجعل الخطأ السابق حكمًا أبديًا يمنع أي مراجعة لاحقة.
فالطريق إلى المستقبل يبدأ من الحقيقة.
والحقيقة تقول إن مراجعة المواقف فضيلة، وإن الاعتراف بالأخطاء شجاعة، لكن المسؤولية لا تسقط بتبدل المواقع، ولا تُمحى بتغير التحالفات.
ولهذا فإن الانشقاق قد يكون بداية الطريق، لكنه ليس نهايته.
وليس كل من غادر المشروع الانقلابي قد أصبح بالضرورة جزءًا من المشروع الوطني، فذلك لا يثبته إعلان، وإنما يثبته ما يقدمه للوطن بعد المراجعة، وما يتحمله من مسؤولية عن الماضي، وما يسهم به في استعادة الدولة التي شارك، بقصد أو بغير قصد، في إضعافها.
فالانشقاق قد يفتح باب المصالحة، لكنه لا ينبغي أن يغلق باب المساءلة.
وتلك هي المعادلة التي تحفظ للدولة ذاكرتها، وللمجتمع عدالته، وللمراجعات السياسية قيمتها الحقيقية.