مقالات
الاتكاء على الحامل العسكري لا السياسي.. قراءة في خطاب عيدروس
استمعتُ إلى خطاب منسوب لزعيم الانفصاليين الجنوبيين، عيدروس الزبيدي، وهو خطابٌ مسجّل تم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديدًا على صفحة قناة عدن على فيسبوك.
وأرجّح أن هذا الخطاب منسوب فعلًا إلى عيدروس الزبيدي، ليس بسبب طريقة إلقائه رغم تسريع التسجيل وحذف التأتأة، وإنما من خلال الأخطاء النحوية الواضحة التي وقع فيها، مثل رفع المكسور أو نصب المرفوع.
يأتي هذا الخطاب بعد نحو خمسة أشهر من مغادرته اليمن، وعلى الرغم من عدم ظهوره شخصيًا في أي مناسبة، فإن الخطاب يندرج ضمن سياق معين، يُظهر فيه عيدروس الزبيدي كأداة أو واجهة للمجلس الانتقالي الجنوبي، أكثر من كونه تعبيرًا عن شخصه.
ظهور عيدروس في خطاب مسجّل يجعل منه ورقة قابلة للتدوير في الصراعات الاقليمية لا لما يمثله لشخصه إنما لرمزيته في المجلس الانتقالي الذي أعلن عن حل نفسه من الرياض بعد هروب عيدروس من عدن. وبهذا ينتقل عيدروس من الزعامة الميدانية المسيطرة على الأرض والممسكة بالسلطة إلى قيادة افتراضية في الخارج يراد منها توجيه أو تحريك أو أيضا تهدئة القاعدة الجماهيرية.
ويمكن الحديث بسرعة عن ثلاث نقاط رئيسية في هذا الخطاب:
أولًا: يتجاهل الخطاب المملكة العربية السعودية جملة وتفصيلاً راسماً حدود القطيعة بين عيدروس والمملكة بالتالي تجاهل الحكومة اليمنية، انما يتوجه إلى القاعدة الجماهيرية للنزعة الانفصالية في الداخل، وأيضًا إلى المجتمعين الإقليمي والدولي.
وهذه محاولة الغرض منها ترميم معنويات الانقطاع عن القاعدة بعد الهروب والسعي لتجاوز حقيقة ان الملف الجنوبي صار بيد المملكة حصرياً.
ثانيًا: على الرغم من تطرّق الخطاب إلى مسألة الشرعية الشعبية، فإن الزبيدي جعله مرتكزًا على القوة الأمنية والعسكرية، باعتبارها العامل الحاسم في تحديد مسار القضية الجنوبية. ويعكس هذا الخطاب رفضًا ضمنيًا لأي تغييرات في التشكيلات الأمنية والعسكرية وتعقيداً في وجه الدمج الامني والعسكري. كما يبدو أن الخطاب منفصل جزئيًا عن الواقع، إذ يتعامل مع الأوضاع كما كانت في ديسمبر الماضي، متجاهلًا التغيرات التي طرأت. ورغم تأكيده على العمل السلمي، إلا أن التلويح بالقوة العسكرية والأمنية يظل قائمًا كخيار محتمل في مراحل لاحقة.
ثالثًا: يشير الخطاب إلى السياق الإقليمي الحالي، ويعيد تقديم المجلس الانتقالي وقواته الأمنية والعسكرية كشريك في مكافحة الإرهاب، وفي تعزيز الأمن الإقليمي، لا سيما أمن الممرات البحرية مثل باب المندب. ما تزال مكافحة الارهاب هي ورقة الاعتماد التي يسعى الانتقالي إلى تقديمها للإقليم والعالم.
فضلاً عن أن عرض المجلس بوصفه كياناً أمنياً وعسكرياً يعني الخوض في سوق العروض في مرحلة بناء تحالفات إقليمية مرتكزة على أمن الممرات المائية وأمن البحر الأحمر.
وأخيرًا، يأتي هذا الخطاب في مرحلة حرجة يمر بها المجلس الانتقالي، الذي يبدو أنه يعود تدريجيًا إلى طبيعته الأولى كتحالف غير متماسك من قوى متعددة. وربما استشعر قادته خطر تفكك هذا الكيان، الذي لم يكن قائمًا على أسس ديمقراطية داخلية واضحة، إذ إن الاعتماد المتكرر على القوة العسكرية يشير إلى أن المجلس في جوهره كيان أمني وعسكري، قبل أن يكون تنظيمًا سياسيًا.
* من صفحة الكاتب على فيسبوك