مقالات

ابن القرية المحبوب

19/05/2026, 19:40:50

لم يحبوه لأنه رجل ذو نفوذ، ولا لأنه ركن في حزب سياسي شديد التأثير في الأحداث، بل ميزوه لأنه ذلك الفتى الذي يجري بين الحقول، الشاب الذي كان من أوائل المعلمين في "تعز" المدينة القريبة منهم.

حين يعود إلى قريته المسماة الأصروم، يحتلق الناس حوله عند طرف مساحة يزرعها والده، محضرين معهم كاسات الزجاج وثلاجة الشاي التي اشتراها أقدم مغترب فيهم، وقد محت الأيام رأس الطاووس الذي يزينها، لكنها لا تزال تصدر صوتا وخيط دخان حين تعمل.

بعد الظهيرة يذهبون إلى المنزل الذي بناه على تبة مرتفعة عن القرية، وهناك يبدأ الجدال مع ابن عمه المختلف معه سياسيا،يُحمّل عبدالحميد كل ما جرى وسيجري لحزب قحطان، وهو يدافع: "احنا مش كل شيء".

كبرنا ونحن نحضر تلك اللقاءات، كنا نعشق أن نرى الحماس في وجه عبدالحميد، والسماحة في وجه قحطان، ثم يجيء ناس من قرية مجاورة اسمها العروض، وقد عصبوا رؤوسهم بالشيلان المنقوشة أطرافها، يسلمون على محمد قحطان، كانوا يهتمون به كونه سياسيا، خلافا لأبناء قريته الذين ما زالوا يرون فيه المعلم الذي سافر للتدريس في إحدى المدارس الثانوية بتعز، ولم يكن حريصا على الإيضاح.

لقد أحب صورته القديمة في أعينهم، حتى إن بعضهم ينادون على بنت يحيى: "ابنك جاء"، وهي والدته التي تنحدر من منطقة بعيدة بالنسبة لمن لا يغادرون قريتهم.

لقد ماتت تلك المرأة التي تحبها النساء، المرأة التي لا نعرف لها اسمًا غير بنت يحيى، وهي تنتظر أن يخرج من معتقلات الحوثيين، حين رأيتها في إحدى الفيديوهات وهي تقف على مقربة من سجن في صنعاء تحمل صورة ابنها، شعرت بالخجل، همست في ذاتي بنت يحيى، لم أكن أراها إلا عند أطراف أرضها أو على سطح منزلها، على بعد ثلاثمائة كيلومتر من صنعاء، فما الذي تفعله في مدينة لا تعرف أسماء شوارعها ولا طريق العودة إلى بيت ابنها الذي يدهشها أن يكون له اعداء.

لقد ملّ الكثيرون انتظار قحطان، وبقي أولئك الذين لم يهتموا بكونه سياسيا متأملين رؤية سيارة واقفة على تلك القمة الصغيرة، كي يعرفوا أن محمدا عاد في الليل، وأن عيد الأضحى قد اقترب، كانت تلك هي فرصته الوحيدة للعودة إلى البلاد وإلى طفولته وشبابه، وهي مناسبة تذكرني به بقوة.

حين تضاربت الأخبار قبل أيام حول مصيره، أخفى أبي الخبر عن والدتي، وقالت لي: "أبوك ما قليش إلا خامس يوم بعدما كلمني نسوان القرية"، برر والدي إخفاء الخبر كون قحطان كان يوصيه دائما ببنت أحمد يوسف، وهو ما دفعه لتجنيبها الخبر الذي تجاوزه مسرعا في نشرات القنوات التي يتابعها.

صحيح أنه صديقه، لكنه لا يريد إخبار من هم خارج غرفته أنه بات بلا رفقاء زمانه، فقد فقد الكثير منهم في رحلته المليئة بالأحداث والطموحات التي أصبحت مجرد ريموت في يد مهتزة.

أحب قحطان قريته الصغيرة لأنها عاملته بكل بساطة، لم تحمله تلك الألقاب التي تسبق اسمه في الشاشات، بل حفظوا اسمه دون ما قبله، ولقد أبعد تلك المساحة عن كل خلاف، حتى إن كل من له مطلب يدعوه أن يلتقيا في مكان بعيد، لم يكن يريد أن يعرف سكان البلدة أنه تغيّر، وأنه يمكن أن يدفع حياته ثمنا لذلك التغير، ففي اليمن تصبح حياتك أرخص حين تجنح للسلم وحين تخلي كتفك، وتعمد إلى الكلام لنيل حقك.

____________________________

* من صفحة الكاتب على فيس بوك

مقالات

محمد قحطان: خارج الصفقة، خذلان الأصدقاء وغدر الأعداء

عرفت محمد قحطان وأنا في بدايات عملي الصحفي كان يومها يشتغل، مع جار الله عمر وآخرين، على فكرة بدت في السياسة اليمنية أقرب إلى المغامرة هدفها أن ينتقل الخصوم التاريخيون إلى مربع واحد، وأن تُبنى جبهة معارضة سلمية في وجه نظام علي عبدالله صالح.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.